الأزمة السودانية، دبلوماسية البحث عن مخرج (4-7) المواطنة والوطنية وما بينهما

د.إبراهيم الأمين

الوطنية أعلى درجة من المواطنة… فالفرد يكتسب صفة المواطنة بمجرد انتسابه إلى دولة معيّنة، ولكنه لا يكتسب صفة الوطنية إلا بالعمل لصالح هذه الجماعة أو الدولة التي ينتمي إليها لتصبح المصلحة العامة لديه أهم من مصلحته الخاصة.
ومن لوازم المواطنة الانتماء للوطن… وللانتماء مفهوم أضيق في معناه من الولاء للوطن… فالولاء بمفهومه الواسع لا يكتفي فقط بالانتماء إلى وطن بل الولاء له والعمل على نصرته والتضحية بالنفس والمال والولد من أجل حمايته.
والولاء لا يُولد مع الإنسان، إنما يكتسبه من مجتمعه، ولذلك فهو يخضع لعملية التعلّم، فالفرد يكتسب الولاء للوطن من المنزل والمدرسة ومن المجتمع حتى يشعر بأنه جزء من كل… له حقوق وعليه واجبات نحو الوطن.
الحقوق التي نصّ عليها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948م وما تبعه لاحقاً من إعلانات أخرى، وتتمثل في الحق في التعبير والتنظيم، والحق في مستوى معيشي كافٍ، وفي الضمان الاجتماعي، وفي العمل، والحماية من البطالة، وفي العدالة والإنصاف في الأجور، وفي الصحة والخدمات الاجتماعية الضرورية، كما الحق في التعليم والمشاركة الحرة في النشاطات النقابية وفي الحياة الثقافية للمجتمع… حقوق الإنسان لها الأولوية، وهي لا تتعارض مع باقي الحقوق الموصوفة بالجماعية، وفي مقدمتها الحق في التنمية… الذي استغلّته الأنظمة الاستبدادية من أجل تعزيز سلطتها وتبرير عدم التزامها باحترام وإعمال النصوص الشرعية الدولية لحقوق الإنسان الفرد، وقد ثبت بالتجربة أن التضحية بالحريات ووضع التنمية في مواجهة مع الديمقراطية والحقوق يعني مزيداً من الأزمات… فالمواطنة الحقة هي محور النظام الديمقراطي… وبذلك تكون الدولة الديمقراطية هي دولة المواطنين… والمواطنة في مفهومها المتطور لا تعني أن يكون المواطن العصري مواطناً داخل وطنه فحسب… بل عضواً نشطاً وفاعلاً في مجموعة بشرية أوسع… أي أن تكون عليه واجبات تجاه الشعوب الأخرى، وهو بالتالي مواطن ذو صفة عالمية… يبرز هذا بوضوح عند الحديث عن المواطنة البيئية… فالبيئة قضية لها بعد عالمي… واجب المواطن الاهتمام بكل ما يتعلق بكوكب الأرض من متغيرات… والمشاركة بفاعلية في كل الأنشطة التي تعزز مفهوم المواطنة بما في ذلك المواطنة البيئية.
المواطنة من منظور ديني:
المواطنة لا تتناقض مع المبدأ الإسلامي ولا خلاف في ارتباط المسلم مع غير المسلم ضمن إطار اجتماعي يتم الاتفاق عليه تحت عنوان المواطنة، مع الحق في حرية العقيدة… حرية العقيدة الشرعية تعني حق الإنسان في اختيار ما يؤمن به وفقاً لما استقر عليه قلبه وضميره ووجدانه من غير ضغط ولا قسر ولا إكراه خارجي.
أما الشريعة الإسلامية فقد قامت على مبدأ أساسي هو عدم الإكراه في الدين، في القرآن الكريم نصوص واضحة مثل قوله تعالى: (لكم دينكم ولي دين) (الكافرون: 6)، وقوله تعالى: (فذكّر إنما أنت مذكّر لست عليهم بمسيطر) (الغاشية: 21-22)، وقوله تعالى: (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) (يونس: 99)، وقال تعالى: (لا إكراه في الدين قد تبيّن الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم) (البقرة: 256).
مركز 6 أبريل للدراسات الإستراتيجية والثقافية

Exit mobile version