الآلية التشاورية للسلام في السودان… اجتماعات مستمرة ونتائج بعيدة

اجتماع تشاوري خامس بالقاهرة، بين منظمات إقليمية ودولية ودول مهتمة وكان لديها مبادرات في السودان، في محاولة جماعية مستمرة لتكثيف الجهود وتنسيق مساعي السلام، في بلد شارفت فيه الحرب على ثلاث سنوات، شردت إنسانه ودمرت مقدراته ومزقت نسيجه الاجتماعي بفعل مليشيا متمردة تمثل أداة لطرف إقليمي خارجي، أثرت وما زالت تؤثر على السودان وتهدد أمن واستقرار الإقليم والمنطقة برمتها.
محاولة جماعية واستضافت وزارة الخارجية المصرية، اليوم “الأربعاء”، الاجتماع الخامس للآلية التشاورية لتعزيز تنسيق جهود السلام في السودان، برئاسة الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية المصري، وشارك في الاجتماع وفود رفيعة المستوى من دول ومنظمات إقليمية ودولية، في محاولة جماعية لتكثيف الجهود أمام التحديات الإقليمية المتفاقمة التي يواجهها السودان.
تضافر الجهود
وفي كلمته الافتتاحية، أكد عبد العاطي ضرورة تضافر الجهود الدولية والإقليمية لوقف نزيف الدماء في السودان، مشدداً على خطورة المرحلة الحالية وتداعياتها على السلم والأمن الإقليميين، خاصة في دول الجوار ومنطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، مشيراً إلى بيان الرئاسة المصرية الصادر في 18 ديسمبر الماضي، الذي حدد ثوابت الموقف المصري، بما في ذلك الحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه، ورفض انفصال أي جزء منه، وصون مؤسسات الدولة السودانية، موضحاً أن التزام مصر بتحقيق السلام في السودان يتجلى في مبادرة دول جوار السودان التي أطلقت في يوليو 2023، والتي ركزت على وقف إطلاق النار، وإطلاق مشاورات سياسية جامعة، وضمان دخول المساعدات الإنسانية، كما أبرز مشاركة مصر في مسارات متعددة، مثل الآلية الرباعية الدولية والآلية الموسعة للاتحاد الأفريقي، واستضافة القاهرة للقاء القوى السياسية والمدنية السودانية في يوليو 2024، مشدداً على أن إنهاء القتال يتطلب هدنة إنسانية عاجلة تليها وقف مستدام لإطلاق النار، ثم إطلاق عملية سياسية شاملة بملكية سودانية تحافظ على مؤسسات الدولة وتمنع تشكيل كيانات موازية، مجدداً تضامن مصر مع السودان، وداعياً المجتمع الدولي والجهات المانحة إلى تنفيذ تعهداتها الإنسانية في ظل تفاقم الأوضاع الإنسانية هناك.
الوفود المشاركة
من جانبها، ألقت الوفود المشاركة كلمات أكدت فيها أهمية تكثيف الجهود لدعم وقف إطلاق النار، حماية المدنيين، تيسير وصول المساعدات الإنسانية، ودعم عملية سياسية شاملة تحفظ وحدة السودان وتلبي تطلعات شعبه في الأمن والاستقرار، وشملت المشاركة رمطان لعمامرة، المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة للسودان، والمهندس وليد الخريجي، نائب وزير الخارجية السعودي، وعبد القادر حسين عمر، وزير خارجية جيبوتي، ومسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، وشخبوط بن نهيان آل نهيان، وزير الدولة في وزارة الخارجية الإماراتية. كما حضر ممثلون عن ألمانيا، تركيا، النرويج، قطر، المملكة المتحدة، الصين، روسيا، فرنسا، العراق، وأنجولا، إلى جانب ممثلين عن الاتحاد الأوروبي، جامعة الدول العربية، الاتحاد الأفريقي، والهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد).
تنسيق المواقف
من المعروف أن الآلية التشاورية لتعزيز وتنسيق جهود السلام في السودان هي إطار يجمع دولاً ومنظمات دولية وإقليمية تعمل معاً لتوحيد الجهود الدبلوماسية والسياسية الرامية إلى وقف الحرب القائمة في السودان منذ أبريل 2023، وتعزيز فرص السلام والاستقرار، وتهدف بشكل عام إلى تنسيق مواقف الدول والمنظمات المشاركة حول مسارات السلام في السودان، ودفع جهود وقف القتال والضغط لإنهاء الحرب التي خلفت أزمة إنسانية كبيرة، وتوفير منصة مشتركة للمجتمع الدولي لمتابعة التطورات وتوحيد الاستجابات.
اجتماعات الآلية
وكانت الآلية قد عقدت اجتماعها الرابع في 25 يونيو 2025 في بروكسل مقر الاتحاد الأوروبي، بمشاركة الأمم المتحدة، الاتحاد الأفريقي، الإيغاد، جامعة الدول العربية ودول أخرى، وركز الاجتماع وقتها على تعزيز تنسيق المبادرات الدولية في دعم السلام وتهيئة دعم أوسع للمسارات المتعددة، وكذلك عُقد الاجتماع الثالث للآلية في ديسمبر 2024 في موريتانيا ضمن السياق نفسه، وكان الهدف الأساسي ربط مستويات التنسيق الدولية قبل جلسات مجلس الأمن بشأن السودان، أما الاجتماع الأول للآلية فكان أيضاً بالقاهرة في 12 يونيو 2024 برئاسة جامعة الدول العربية وفكرتها أيضاً، فالجامعة هي من سعت لتنسيق الجهود الدولية بشأن المبادرات والحلول في السودان، وتلا ذلك اجتماع ثانٍ للآلية في 12 يوليو 2024 في جيبوتي باعتبارها مقراً للإيغاد، واستمر العمل في هذا الاجتماع في تعزيز التنسيق بين الجهات الإقليمية والدولية المعنية بجهود السلام في السودان.
ماذا فعلت؟
على أية حال، هي اجتماعات مكثفة وحراك دولي وإقليمي بغية إيجاد حلول للأزمة السودانية، لكنها حتى اللحظة لم تنتج إطاراً متوافقاً عليه للحل في البلاد، وتأتي اجتماعات هذه الآلية بعد آراء تؤكد أن كثرة المبادرات تشتت عملية إيجاد حلول ناجزة في السودان، ولذلك جاءت الفكرة من الجامعة العربية للتنسيق بين هذه الجهود لسرعة التوصل إلى حل لهذه الأزمة، وبنظرة عامة نتساءل ماذا فعلت هذه الآلية عملياً في الأزمة في السودان؟ قد تكون وحدت المواقف الدولية، ويمكن أن نقول إنها وفّرت منصة موحدة للدول والمنظمات المشاركة لتبادل الرؤى حول كيفية معالجة النزاع في السودان، وعملت على دعم المبادرات التفاوضية بالمساعدة في تهيئة بيئة دبلوماسية مترابطة لدعم مبادرات وقف إطلاق النار والحوار، وكذلك ربط المجتمع الدولي بالعملية السياسية بوجود ممثلين من الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي وهيئات أخرى، ووضعت تقارير ومواقف مشتركة حول الوضع، إضافة إلى دفع دور الأمم المتحدة والجهات الإقليمية في السودان، من خلال المشاركة في الاجتماعات وتشجيع الحوار بين أطراف النزاع، إلا أنه رغم كل هذه الجهود التي ما تزال نظرية ولم تحقق أي اختراق في المساعدة للوصول إلى حل في السودان، ورغم خمسة اجتماعات للآلية في عواصم مهمة، لم يجرِ حتى الآن اتفاق سلام شامل ينهي الحرب على الأرض، ولا يزال النزاع قائماً مع استمرار الحاجة إلى وقف إطلاق النار والتوصل إلى تسوية سياسية داخلية، وظلت هذه الاجتماعات حبيسة دور دبلوماسي واستشاري في المقام الأول، ولم تسفر عن اتفاق سلام جاهز يتم تنفيذه عملياً داخل السودان، وتظل النتائج العملية على الأرض محدودة بسبب تعقيدات الحرب في السودان وتشابكاتها الإقليمية.
منصة دولية
يبدو أن اجتماع الآلية اليوم بالقاهرة لم يخرج عن كونه منصة دولية تجدد فيه مصر تأكيدها على ثوابتها في السودان، ورفضها لأي كيان موازٍ أو دولة أخرى بالبلاد أو المساواة بين المليشيا والجيش، وتمسكها بوحدة المؤسسات السودانية وعلى رأسها القوات المسلحة السودانية، وتشديدها على الارتباط العضوي بين الأمن القومي في الدولتين، هذا التأكيد له أهميته أمام المنظمات الإقليمية والدولية والدول المهتمة بالسودان في وجود المبعوث الأممي للسودان رمطان لعمامرة، ومستشار الرئيس الأمريكي مسعد بولس، والذي أكد الرئيس السيسي في لقائه أن مصر لن تسمح بالنيل من وحدة واستقرار السودان، كما يبدو أن الحراك المؤثر والأهم قد يكون في إطار الدول الحريصة على أمن واستقرار السودان وعدم انعكاس أزمته على أمن البحر الأحمر، ومن هذا المنظور يتضح أن مصر والسعودية ومعهم إريتريا وتركيا، يعملون بجهد ملحوظ تحت مظلة دولية وهي الولايات المتحدة الأمريكية وبالتعاون معها، كما أن هذا الحلف الذي بدأ يتشكل مؤخراً يبدو أنه الأكثر فهماً وتعاطياً مع الأزمة ومتأثراً بها، فإلى أي مدى كان الاجتماع الخامس للآلية بالقاهرة مفيداً ويمكن لمخرجاته -التي لم تخرج حتى كتابة هذا التقرير- أن تكون عاملاً مساعداً في حل الأزمة في السودان؟.
مجموعة اتصال
من جانبه، رأى نائب رئيس المجلس المصري للشؤون الخارجية السفير صلاح حليمة، أن اجتماعات هذه الآلية بشأن السودان لن تخرج بشيء ذي أهمية، وقال حليمة لـ “المحقق” إن اجتماع الآلية اليوم بالقاهرة مرتبط بتحرك الرباعية وتحرك ترامب خصوصاً وأنه جاء متزامناً مع زيارة لعمامرة وبولس لمصر، موضحاً أن هذه الآلية هي عبارة عن مجموعة اتصال بين المنظمات والدول التي لها مبادرات ومهتمة بالسودان، مضيفاً أن هذه الآلية يمكن أن يكون لها دور مستقبلي في مراقبة الأوضاع السياسية والإنسانية وإعادة الإعمار في السودان بعد التوصل لحوار سياسي شامل، لافتاً إلى أن الموقف الدولي يتحرك الآن في السودان وفق الموقف الأمريكي، ودفع السعودية لتحرك الولايات المتحدة في الملف السوداني، وقال إن ذلك أصبح مرتبطاً بما يحدث في اليمن والصومال، مؤكداً أن الاتجاه السائد لفصل أجزاء في المنطقة خطير للغاية، وأن مصر تأخذ موقفاً متشدداً ضد هذه الانفصالات ليس في السودان وحده وإنما في اليمن والصومال أيضاً، مشيراً إلى أن كل هذا الحراك يأتي في إطار الرباعية، منوهاً إلى أن هناك اتجاهاً لتحجيم دور أحد مكونات الرباعية على النحو الذي يسفر عنه إيجاد تسوية للأزمة أفضل من الاستمرار في الصراع المسلح.



