عبدالعزيز يعقوب-فلادليفيا
ayagoub@gmail.com
١٥ يوليو ٢٠٢٦
التاريخ لا يغيّر خرائطه بالحبر وحده؛ فحين تنتهي الحروب الكبرى لا ينتهي الصراع، وإنما تتبدل أدواته وموازين قوته. ومن بين أنقاض كل نظام دولي يولد سؤال جديد, من يملك القدرة على صياغة العالم القادم؟
بعد أفول الإمبراطوريات، ثم ولادة نظام ثنائي القطبية، وصولاً إلى لحظة الأحادية والقدرية الأمريكية، يتحرك العالم اليوم نحو تعدد مراكز القوة. وفي مثل هذه التحولات لا تنتظر الدول اكتمال الخريطة؛ لأن من يتأخر في قراءة اتجاه التاريخ قد يجد نفسه يعيش في عالم رسم الآخرون حدوده ومعالمه الجديدة.
من هنا تكتسب اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان أهميتها.
فالالتزام المعلن بالدفاع الجماعي، والتعاون في تبادل المعلومات والتدريب وتقييم التهديدات والصناعات الدفاعية والتكنولوجيا، يتجاوز مجرد التنسيق العسكري؛ فهو محاولة للانتقال من أمن كل دولة منفردة إلى مسؤولية مشتركة عن الأمن.
وفلسفة الردع في جوهرها بسيطة وهي أن تصبح كلفة العدوان أعلى من مكاسبه، فيغدو السلام أكثر عقلانية من الحرب.
لكن الاتفاق لا يُختبر عند لحظة التوقيع، وإنما عندما تصبح الكلمات التزاماً، والمصالح امتحاناً، والضغوط واقعاً.
فالسعودية وتركيا وباكستان دول مستقلة في مصالحها وعلاقاتها الدولية، وقد تتقاطع حساباتها أو تختلف. وهذه ليست ثغرة في الاتفاق، بل طبيعته السياسية؛ فالتحالف الناضج لا يلغي اختلاف المصالح، وإنما يجعل ما يجمع أقوى مما يفرّق.
ومن هنا ينبغي ألا تحجب العاطفة قيمة الاتفاق عن القراءة الواقعية. فالتقارب بين دول مسلمة يحمل قيمة وجدانية وتاريخية، لكن السياسة تُبنى أيضاً بالمصلحة والقدرة وحسن تقدير المخاطر.
فالخصم لا يبحث دائماً عن الطريق إلى مقاتلة الجيش؛في اغلب الأحيان يبحث عن الطريق إلى إرادة الأمة. وقد لا يحتاج إلى إسقاط مدينة أو هزيمة جيش، إذا استطاع أن يخنق اقتصاداً، أو يعطل طاقة، أو يقطع غذاء، أو يحاصر تكنولوجيا، أو يضرب سلاسل الإمداد، أو يستغل هشاشة اجتماعية فيخترقها. وهنا يكمن الخطر الأكبر على الأمم أن تُهزم قدرتها وعزمها على الصمود قبل أن تُهزم جيوشها.
لذلك يبدأ الأمن الحقيقي أبعد من الثكنة العسكرية ، يبداً في اقتصاد ينتج، وعلم يتقدم، وصناعة تستطيع الاستمرار، ومجتمع متماسك، وإرادة سياسية تعرف كيف تصمد حين تصبح الخيارات مكلفة.
ومن هنا ينبغي ألا يتوقف طموح اتفاق مكة عند الدفاع. فالمصالح المشتركة قد تكون سياجاً أعمق من السلاح ولابد ان
تجارة واستثمار، وطاقة متنوعة ونقل، تكنولوجيا وصناعة، تعليم وبحث علمي، وأمن غذائي وسلاسل إنتاج مترابطة.
حين يصبح مصنع في بلد مصلحة للبلدين الآخرين، وجامعة مجالاً للمعرفة والبحوث المشتركة، واستقرار اقتصاد مصلحة للجميع، يتحول الاتفاق من وثيقة بين الحكومات إلى واقع في حياة الشعوب. وعندها لا يعود الدفاع عن الشراكة واجباً عسكرياً فحسب؛ بل يصبح مصلحة حية تتصل بمستقبل الناس أنفسهم.
وهنا فقط يتغير معنى القوة.
القوة ليست أن نملك السلاح وحده، بل أن نملك الخيارات. وليست أن نستغني عن العالم، بل ألا يستطيع أحد أن يجعلنا عاجزين إذا اختلفنا معه.
السعودية بثقلها الاقتصادي والجغرافي ومكانتها الدينية، وتركيا بقدرتها الصناعية والتكنولوجية وموقعها الاستراتيجي، وباكستان بخبرتها العسكرية وعمقها الاستراتيجي؛ تملك كل واحدة منها ركناً مهماً من معادلة القوة. لكن اجتماع الموارد لا يصنع القوة تلقائياً؛ القوة تبدأ حين تتحول الموارد إلى قدرة، والقدرة إلى مصالح، والمصالح إلى إرادة مشتركة.
لذلك يمكن لاتفاق مكة أن يبدأ عسكرياً، لكن لا ينبغي أن ينتهي عند العسكر. قيمته الأبعد أن يفتح طريقاً تتكامل فيه الإرادة والمصلحة والمؤسسة، حتى يصبح التعاون أكثر رسوخاً من أن تهزه تقلبات السياسة.
والأهم أن يظل الطريق مفتوحاً أمام دول المنطقة، للانضمام لا بوصفها أطرافاً إضافية في تحالف عسكري، وإنما شركاء في بناء منظومة مصالح وأمن مشترك. فكلما اتسعت دائرة المصالح، اتسعت معها دائرة الاستقرار؛ وكلما التقت مصالح الدول بمصالح شعوبها، أصبح الاتفاق أقرب إلى مشروع إقليمي حي، لا مجرد تفاهم بين حكومات.
فالمستقبل لا تصنعه الدول منفردة في عالم تتشابك فيه الحدود والمصالح؛ وأمن المنطقة لا يمكن أن يبقى جزراً منفصلة. قد تبدأ الشراكة بثلاث دول، لكن نجاحها الحقيقي أن تفتح أبوابها لكل دولة ترى في الاستقرار مصلحة، وفي التعاون قوة، وفي ازدهار شعوب المنطقة مصلحة مشتركة.
عندها يتحول اتفاق مكة من مظلة دفاعية إلى نواة لبناء أمن إقليمي أوسع؛ أمن لا يقوم على إقصاء أحد، ولا يستهدف أحداً، وإنما يجعل التعاون هو القاعدة، والمصلحة المشتركة سياجاً للاستقرار، والإرادة الجماعية ضمانة للمستقبل.
وهذا هو المعنى الأعمق للأمن، ليس أن نملك القوة الكافية لخوض الحرب، بل أن نبني من القوة والمصالح ما يجعل الحرب أقل احتمالاً، والضغط أقل فاعلية، والسلام أكثر قابلية للبقاء.
ولهذا ربما لا يكون السؤال الأهم هو من سيحمينا؟
بل السؤال الذي يليق بأمم تريد أن تصنع مستقبلها هو ، ماذا يجب أن نبني نحن حتى يصبح أمننا بأيدينا؟
فالأمم لا تحفظ كرامتها بما يُمنح لها، وإنما بما تستطيع أن تبنيه وتحميه وتورثه لأبنائها.
وإذا استطاع اتفاق مكة أن يفتح هذا الطريق، فلن يكون مجرد اتفاق دفاعي بين ثلاث دول، بل خطوة نحو انتقال أوسع، من انتظار موقع في خرائط الآخرين إلى امتلاك القدرة على رسم مكاننا في خريطة العالم.
فالتاريخ لا يمنح موقعه لمن ينتظر؛
إنه يفسح الطريق لمن يبني القدرة على الوقوف فيه.