تحقيق تحليلي – ذا إنترسبت
تتجه عائلة الملياردير الأمريكي لاري إليسون، مؤسس شركة “أوراكل”، نحو إحكام قبضتها على مفاصل رئيسية في الإعلام الأمريكي والدولي. فبعد استحواذ ابنه ديفيد إليسون في أغسطس الماضي على الشركة الأم لشبكة سي بي إس نيوز (CBS News)، يلوح في الأفق استحواذ آخر على سي إن إن (CNN)، بالتوازي مع مساعٍ للسيطرة على فرع “تيك توك” في الولايات المتحدة، بالتعاون مع مستثمرين يمينيين بارزين، من بينهم عائلة “مردوخ” المالكة لإمبراطورية “فوكس نيوز”.
من التكنولوجيا إلى السياسة
عرف لاري إليسون بكونه أحد عمالقة وادي السيليكون وصاحب ثروة طائلة جعلته يتجاوز لفترة وجيزة إيلون ماسك كأغنى رجل في العالم. لكنه لم يكتفِ بدوره كملياردير تقني، بل انغمس في السياسة الأمريكية، فكان من أوائل من تقربوا من دونالد ترامب، مقدماً له الدعم في مواجهة خصومه داخل المؤسسة السياسية والإعلامية.
الأكثر إثارة للجدل هو ولاء إليسون لإسرائيل. فقد تبرع — وفق تقارير موثوقة — بما لا يقل عن 26 مليون دولار لمؤسسات غير ربحية تدعم الجيش الإسرائيلي، بل وصل به الأمر إلى عرض مقعد في مجلس إدارة “أوراكل” على بنيامين نتنياهو نفسه. هذا التداخل بين المال والإعلام والسياسة يعيد إلى الواجهة سؤالاً قديماً: إلى أي مدى يمكن للمال السياسي أن يعيد تشكيل الرأي العام عبر السيطرة على وسائل الإعلام؟
إعلام في قبضة “MAGA”
لا ينظر إلى التحركات الأخيرة باعتبارها صفقات تجارية بحتة، بل باعتبارها جزءاً من إعادة تموضع إعلامي لصالح تيار “MAGA” (اجعل أمريكا عظيمة مجدداً) المرتبط بترامب. فكلما توسع نفوذ هذا التيار داخل الإعلام، تقلصت مساحة الاستقلالية الصحفية.
وقد حذرت تقارير من أن السنوات الأربع المقبلة ستشهد اختباراً حقيقياً لبقاء الصحافة المستقلة. فترامب صعّد هجومه على حرية الإعلام مؤخراً، قائلاً إن أي تغطية سلبية لإدارته “غير قانونية فعلاً”، وهو تصريح يفتح الباب أمام ثقافة خوف تتسرب إلى المؤسسات الإعلامية الكبرى، حتى تلك التي لم تقع بعد تحت قبضة اليمين المتطرف.
ما بين واشنطن وتل أبيب
التحليل الأعمق يربط هذا المشهد الإعلامي بالتحالفات الدولية. إذ إن صعود نفوذ إليسون الإعلامي لا ينفصل عن أجندة السياسة الخارجية الأمريكية، وخاصة التحالف مع إسرائيل. فالملياردير الذي ضخ أموالاً طائلة لدعم الجيش الإسرائيلي يجد اليوم فرصة لمواءمة مصالحه التجارية مع مصالح اليمين الأمريكي والإسرائيلي، في لحظة فارقة تتقاطع فيها ملفات الداخل الأمريكي (الانتخابات، حرية الصحافة) مع صراعات الخارج (غزة، إيران، الشرق الأوسط).
الصحافة المستقلة: خط الدفاع الأخير
في مواجهة هذا الزحف، تؤكد مؤسسة ذا إنترسبت أن الصحافة المستقلة والجريئة باتت ضرورة وجودية. فالمعركة لم تعد حول ملكية القنوات أو المنصات الرقمية فقط، بل حول مستقبل حرية التعبير في الولايات المتحدة، وحول ما إذا كان الرأي العام سيبقى قادراً على الوصول إلى معلومات دقيقة وغير خاضعة لهيمنة رأس المال السياسي.
⸻
🔎 خلاصة تحليلية:
إن صعود عائلة إليسون في المشهد الإعلامي الأمريكي ليس مجرد تحول في ملكية الشركات، بل هو تعبير عن اندماج ثلاث قوى: المال التكنولوجي (ثروة أوراكل)، السياسة اليمينية الشعبوية (ترامب وحركة MAGA)، والتحالفات الدولية (إسرائيل واللوبيات الداعمة لها). هذا الاندماج يهدد بتقليص مساحة الإعلام المستقل، وبتحويل الإعلام الأمريكي إلى أداة تخدم أجندات سياسية واقتصادية محددة، محلياً ودولياً.
