إلى السيدة إيفيت كوبر “شكر الله سعيكم”! لماذا يتواطأ “المجتمع الدولي” على استدامة العدوان على السودان؟
Mazin
التيجاني عبد القادر 1 لم يكن الأمر يستدعي مشقة السفر لمسؤولين دوليين كبار إلى نيويورك استجابة لدعوة السيدة إيفيت كوبر وزيرة الخارجية والتنمية الدولية البريطانية للمشاركة في جلسة مجلس الأمن الدولي الي ترأستها بنفسها الخميس الماضي حول السودان، ليتمخض كل هذا “الزخم” الدبلوماسي الرفيع، والحماسة المنقطعة النظير، والوعود التي قطعتها سيدة “المقر المشترك بوايتهول اللندني” بطي صفحة الحرب في السودان، عن بيان صحفي لمجلس الأمن بالأمس يصح وصفه بالدارجة السودانية بأنه “كلام ساكت”، مبلغ علمه ” الانشغال بإدارة توازن مصالح الدول الحليفة لعواصم القرار الغربي” أكثر من كونه معنياً بحل جدي ينهي أسباب الحرب من جذورها، والنتيجة الفعلية لذلك هي ” تشجيع استدامة الحرب بالتغطية على المتورطين في استمرار العدوان”. 2 لم يكن الأمر محتاجاً إلى محلل ألمعي في السياسة الدولية لكشف بواطن أجندة الأصوات الغربية الأعلى صوتاً في التباكي على الفظائع الإنسانية جراء ارتكاب الجرائم كافة المحرمة بقوانين دولية في العدوان على غمار الناس المستضعفين في السودان، وهي تكتفي بسرد هذه المآسي وتظهر جزعاً كأنها أحداثاً مجهولة علمت بها للتو، وليست مما سار بذكره الركبان في أقاصي الدنيا الأربع مما بثه الجناة بأنفسهم تباهياً بفعائلهم المخزية على جبين البشرية. ثم تجتهد هذه الأصوات نفسها التي تتحدث بنبرة أخلاقية عالية في إخفاء آثار الفاعل الرئيسي في هذا المشهد الدموي، والتصويب على الأعراض، وبذل غاية الجهد في التغطية على الأسباب الحقيقية لاستمرار هذا النزيف، مستعينة بفقه “المبني للمجهول”، واتخاذ إجراءات استعراضية جزافية لا تحق حقاً، ولا تبطل باطلاً. 3 من شهد حلقة النقاش عن السودان التي أدارتها ليندسي هيلسوم، المحررة الدولية بالقناة الرابعة البريطانية، ضمن فعاليات مؤتمر ميونخ للأمن الشهر الماضي التي استضافت فيها وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر، والمبعوث الأمريكي مسعد بولس، ومحمد فتح الرحمن محمد أحمد من تحالف الشباب السوداني، لن يجد كبير عناء في التحقق من الخلاصات التي اشرت إليها آنفاً، فقد وضعت هيلسوم المبضع على الجرح وهي تعيد السؤال تلو السؤال على كوبر وبولس “إن كان الوقت قد حان لاستخدام نفوذ حقيقي على الإمارات التي تواصل تسليح الدعم السريع وتأجيج الحرب في السودان”؟ 4 كان التهرب الفاضح من الإجابة على “سؤال المليون دولار”، على الرغم من إصرار المذيعة على تكرار السؤال بإلحاح، أو ذكر الإمارات بسوء سيد الموقف عند الوزيرة والمبعوث معاً، وكان لافتاً حماسة السيدة كوبر وهي تشرق وتغرب بإفادات لا علاقة لها بالإجابة على السؤال، ذكرتني بتكتيكات نجوم أركان النقاش بمقهى النشاط التي برع فيها بوجه خاص على أيامنا أحمد المصطفى دالي، وذلك بأخذ الموضوع بعيدا في مشهد مسرحي تصف فيه فظائع الحرب التي تجري على أجساد النساء في السودان، وكالمعتاد كان “المبني على المجهول” الحاضر الوحيد في مداخلتها، وكأن أدوات هذه الفظائع المرتكبة تهبط من السماء على ميليشيا الدعم السريع، بفضل قائدها الذي حلت عليه البركات، لا غرو وقد أعلن صراحة أنه لا يوجد أحد أكثر تديناً منه. 5 أما المبعوث بولس فلم يكن في إفادته أقل منها حماسة وبراعة في تشتيت الكرة بعيداً عن مرمى “أبو ظبي”، فقد بدأ رده متقمصاً الحزم، حتى ظنت أنه سيقول ما أزورت عنه السيدة إيفيت “لقد كانت الولايات المتحدة صبورة للغاية، لكن حان الوقت للتحرك بعمل جاد في الأمم المتحدة”، وقلت لا بأس فإن ذلك ربما يعني أن واشنطن ستتخذ مواقف صارمة تفرض على مجلس الأمن الدولي تطبيق قراره 1591 بمعاقبة من يخرقون حظر إرسال السلاح إلى دارفور، وسرعان ما تبدد تفاؤلي العجول عندما عاد السيد مسعد ليشرق ويغرب أيضاً بقوله إن هناك عشر دول ترسل السلاح إلى السودان للطرفين بمنطق “يا عزيزي كلنا لصوص” فلماذا تلومون أصدقائي فقط؟ 6 غير أن الشاب السوداني محمد فتح الرحمن خرج على النص “والرصة والمنصة” عندما سألته هيلسوم “محمد هل أعطاك أي شيء سمعته في هذه المنصة أملاً”؟ رداً قائلاً بإنه يشعر بإحباط شديد أن السودان موضوع على هامش المؤتمر، ولا يوجد اهتمام، ولا حتى حضور يستمع لقضيته، ثن يوجه نقداً لاذعاً صريحاً لما سمعه من المتحدثين “لقد وصلنا إلى نقطة يجب ان نتوقف فيها عن الكلام، ونبدأ الفعل، حقاً علينا التوقف عن الكلام”، واستشهد بما أعلنه وزير الخارجية الأمريكي مارك روبيو في نوفمبر الماضي “إننا بحاجة إلى إنهاء هذا، إلى ونحتاج إلى قطع الإمدادات ووقف تدفق السلاح إلى ميليشيا الدعم السريع”، مشيراً إلى أنه يوجد من الأدلّة الموثقة على ذلك ما لا يحتاج إلى تأكيد. 7 لقد وضع الشاب محمد فتح الرحمن بهذا التشخيص الدقيق العقدة على المنشار، وهو يشير بوضوح إلى أن سبب تأجيج الحرب الحقيقي هو استمرار العدوان الخارجي بإرسال الأسلحة والإمدادات والمرتزقة إلى الميليشيا التي لا تكف كل يوم عن إثبات طبيعتها الإجرامية الإرهابية باستهداف غمار السودانيين قتلاً، وتشريداً وارتكاب كل الموبقات تحت سمع وبصر “المجتمع الدولي”، وهو ما يجعله ليس متواطئاً بالصمت فقط، بل شريكاً أصيلاً في كل جرائم الميليشيا ورعاتها بالتستر والدعم الخفي لمرتكبيها. 8 في مقال نشرته وزيرة الخارجية البريطانية بمناسبة مرور ألف يوم على الحرب ابتدرته بقولها “العالم يخذل الشعب السوداني بشكل كارثي” وهو نهج يقذف بالكرة بعيداً عن المرمى بتعميم مخل، الواقع أن من خذل الشعب السوداني حقاً هي عواصم القرار الغربي التي تٌقدم خدمة أجندتها ورعاية مصالحها الاقتصادية، وربما المصالح الذاتية لبعض المتنفذين في الطبقات الحاكمة، ولا غرابة في ذلك فهذه هي قواعد لعبة الأمم في عالم تحكمه موازين القوة والنفوذ والمصالح، لا العدل ولا الحق ولا الإنسانية، ولكن ما لا يجوز للسيدة إيفيت الزعم “بأن مبررات ضرورة العمل لإنهاء هذه الحرب الوحشية هي مبررات أخلاقية تماماً”، وهذا ما لا دليل عليه وهذه الدول التي تنتدب نفسها لإنهاء الحرب تتغافل عن طبيعتها العدوانية الخارجية المثبتة دولياً، وتهرب من مواجهتها، رعاية لمصالحها، بإثارة غبار كثيف حول أعراضها، تنشغل بإدارة الأزمة، لا بحلها جذرياً لأن ذلك يهدد مصالحها إن أغضبت من يؤججها، مثل الإصرار على هدنة عابرة، كاستراحة محاربين، لا العمل من أجل الوقف الشامل لإطلاق النار بكف يد من يغذي أدوات العدوان. 9 ومما تعهدت به السيدة كوبر حينها أن بلادها ستجعل رئاستها لمجلس الأمن الد ولي في فبراير “ضمان مواصلة تسليط الأضواء على الفظائع التي تتكشف أمامنا”، وكأنه لم يعد هناك في المعمورة من لم يكن يعرف بما حدث في الفاشر في أكتوبر الماضي، لينتظر أربعة أشهر لينكشف له ما كان خافياً، لقد كانت جلسة مجلس الأمن في 19 فبراير التي حشد لها وحظيت بإعلام كثيف، حتى ظن الناس أنها ستقول الكلمة الفصل، ليأتي بيان المجلس الصحفي بالأمس “المبني للمجهول”، كاشفاً أنها لم تكن سوى “حفل تأبين” لضحايا إجرام مكشوف من يقف وراءه، لم يجدوا لا إنصافاً ولا حماية من “المجتمع الدولي” الذي لا يزال يقف يتفرج كل يوم على المزيد من الممارسات الوحشية.