إقتصاد السودان والحرب في الخليج … عايرة وادوها سوط (2)

د. هيثم الكندي يوسف

روشتة التعافي:

في مقالنا السابق أوردنا تصريحات السيد وزير المالية كجرس إنذار حول مدى تأثر اقتصادنا الوطني بتداعيات الحرب الحالية في الخليج العربي، وقلنا أننا لسنا بمعزل عن هذه الارتدادات الاقتصادية بل إنها بدأت تلامس بالفعل حياة المواطن السوداني في ثلاثة أبعاد هي الطاقة والشحن وتحويلات المغتربين من الدول الخليجية.

فبالنسبة للطاقة قفزت أسعار النفط قبل يومين لتتخطى 110 دولار للبرميل مما يضع عبئا ثقيلاً على ميزان المدفوعات ويهدد بحدوث شح في المشتقات البترولية. أما البعد الثاني فهو ارتفاع تكلفة الشحن البحري نتيجة اضطراب الممرات المائية مما يعني زيادة تلقائية في أسعار السلع المستوردة. ويأتي البعد الثالث ليمس حياة الأسر السودانية وهو تأثر انسياب تحويلات المغتربين في دول الخليج مما يضعف القوة الشرائية ويزيد من حدة المعاناة المعيشية.

وفي هذا المقال وبعد التشخيص السابق نقدم روشتة علاج لمواجهة الأزمة، وتتمثل في استراتيجية ذات ثلاثة مستويات تتسم بالجدية والمرونة وتعمل هذه المستويات على مراحل متوازية.

المستوى الأول: إجراءات عاجلة (كبح التضخم وضبط الوفرة): هذه المرحلة معالجة عجز الموازنة وتأمين احتياجات الناس الأساسية عبر الآتي:

– الرقابة الصارمة لضمان انسياب المواد البترولية والسلع بالأسعار المعلنة دون تهاون.

– التدخل الحكومي لضمان وصول السلع بأسعار مناسبة عبر تفعيل أسواق البيع المخفض بالشراكة مع القطاع الخاص.

– الحماية الاجتماعية و ذلك بتفعيل شبكات الدعم للأسر الفقيرة وأسر الشهداء بالتنسيق مع منظمات المجتمع المدني.

– هيكلة السياسة المالية عن طريق تجميد ضريبة القيمة المضافة عن قطاع الترحيل مؤقتاً. ومراجعة الفئات الجمركية لمدخلات الإنتاج والسلع الغذائية وتخفيض الضرائب على التجار لضمان استقرار الأسواق.

– ترشيد الإنفاق وذلك بتوجيه الصرف للأولويات القصوى وإيقاف مشاريع التنمية والتعيينات الجديدة مؤقتاً وتأجيل تكوين البرلمان لتقليل النفقات الدستورية.

المستوى الثاني: سياسات متوسطة الأجل (الاستدامة والتمكين):

حيث تهدف إلى تحريك الموارد وتعزيز الإنتاج المحلي من خلال:

– السيادة الاقتصادية عن طريق استكمال تحرير المناطق الواقعة تحت سيطرة المليشيا لدمج مواردها (الصمغ العربي والمواشي) في الاقتصاد الوطني.

– دعم الإنتاج عبر تشجيع الصناعات الصغيرة وبرامج التمويل الأصغر للشباب ومساعدة المصانع المتضررة من الحرب لسد فجوة الطلب المحلي.

– جذب المدخرات عبر برنامج تحفيزي للمغتربين لتحويل أموالهم عبر القنوات المصرفية الرسمية.

– إعادة العمل بنظام التعاونيات للأحياء والمناطق السكنية، وللسودان تجربة أثبتت نجاحها في هذا الجانب.

المستوى الثالث: خطط طويلة الأجل (النهضة الشاملة):

لبناء اقتصاد مرن ومستدام يجب العمل على:

– الاستخدام الأمثل للموارد عبر الاستثمار في الذهب والمعادن والزراعة، عبر شراكات عالمية تحفظ السيادة الوطنية.

– إصلاح القطاع المصرفي وتشجيع دمج المصارف واستقطاب بنوك أجنبية لتحريك الموارد المجمدة.

– إرساء الشفافية بمكافحة الفساد بصورة مؤسسية واضحة وأن لا يكون ذلك مجرد شعارات بل تطبيق فعلي والمحاسبة لكل تجاوز.

– منع تصدير المنتجات الخام بل تزويدها بالقيمة المضافة من خلال التصينع الذي يرفع أسعار صادراتنا بمتوالية هندسية تعظم من الميزان التحاري خاصة بالنسبة للسلع التي لنا فيها ميزة نسبية كالصمغ العربي.

– تطوير قطاع النقل بالسكك الحديدية والنقل النهري وإعادة الحياة لسودانير والخطوط البحرية.

– تشجيع العمل بالطاقات البديلة بدلاً عن الاعتماد على الطاقة البترولية سيما أن السودان يزخر بالموارد اللازمة لذلك.

– إلزام الدول التي أججت الحرب بسداد التعويضات عبر المحاكم الدولية.

– التحضير لمؤتمر دولي لإعادة إعمار ما دمرته الحرب تحشد له الدول الصديقة والمنظمات الدولية والجهات المانحة.

– السعي لإعفاء ديون السودان لفتح فرص تلقي التمويل التنموي من الصناديق الدولية.

إن التحديات التي فرضتها حرب الخليج الحالية، وظروف الحرب الداخلية، تتطلب إدارة أزمة بعقلية واعية بالمشاكل ومنفتحة على الحلول وجادة في تطبيقها. إن تنفيد هذه الروشتة المتكاملة تعتبر ضرورة وطنية لحماية الاقتصاد السوداني من الانهيار والعبور به نحو الاستقرار المنشود

Exit mobile version