رأي

إدارة انهيار المليشيا… المرحلة الأخيرة في معركة استعادة الدولة

عادل الرفاعي أبوالحسن

ما تحقق في الميدان من انتصارات كبيرة للقوات المسلحة يمثل مرحلة مفصلية في معركة استعادة الدولة، لكنه لا يعني أن المهمة قد اكتملت. فالحروب لا تنتهي بمجرد حسم المعارك، وإنما تكتمل بقدرة الدولة على إدارة مرحلة ما بعد الانتصار وتحويل الإنجاز العسكري إلى أمن واستقرار وبناء مؤسسات قادرة على حماية الوطن.

لقد خاضت القوات المسلحة السودانية مواجهة غير تقليدية مع مشروع تمرد منظم امتلك دعماً وإمكانات كبيرة، شملت العتاد العسكري، والدعم اللوجستي، ووسائل الاتصال الحديثة، والخبرات الفنية، إضافة إلى أسلحة متطورة ظهرت في ميادين القتال.

وقد شهد العالم حجم الدعم الذي حصلت عليه هذه المليشيا، من تشغيل المسيّرات واستخدام الأسلحة الحديثة، إلى عمليات التجنيد والتغرير بالأطفال والزج بهم في الحرب، الأمر الذي جعل المواجهة أكثر تعقيداً وخطورة.

ورغم هذه التحديات، استطاعت القوات المسلحة إدارة هذه المعركة بكفاءة ومهنية عالية، وتمكنت عبر التخطيط والصبر والحنكة العسكرية من تجاوز عوامل التفوق التي راهنت عليها المليشيا، وتحقيق تقدم كبير في طريق استعادة الدولة.

ومع تراجع قدرات المليشيا وتصدع صفوفها، تدخل البلاد مرحلة جديدة تحتاج إلى إدارة استراتيجية واعية؛ لأن انهيار الجماعات المسلحة لا يعني انتهاء آثارها بصورة تلقائية، بل قد يحمل معه مخاطر جديدة إذا لم تتم معالجتها بحكمة وحزم.

ومن طبيعة الصراعات أن تلجأ بعض المليشيات في مراحل التراجع الأخيرة إلى محاولات يائسة لإثبات وجودها أو استعادة بعض المواقع التي فقدتها، عبر عمليات لا تستند إلى منطق عسكري، وإنما تقوم على المغامرة والانتقام وإحداث أكبر قدر من الفوضى. ولذلك فإن من أهم واجبات الدولة في هذه المرحلة الاستعداد لمثل هذه الاحتمالات، ورفع مستوى الجاهزية لحماية المواطنين ومنع أي محاولة لاستغلال المرحلة الانتقالية لإطالة معاناة الشعب.

إن إدارة انهيار المليشيا تمثل امتداداً لإدارة الحرب، وتتطلب تثبيت الأمن، ومنع التفلتات، وحماية المدنيين، وإنهاء أي مظاهر للنهب والعنف في المناطق التي عانت من وجود هذه الجماعات المسلحة. كما أن جمع وتأمين الأسلحة والذخائر يمثل أولوية وطنية، لأن انتشار السلاح بعد الحروب قد يؤدي إلى ظهور مجموعات خارجة عن القانون تهدد أمن المواطنين وتقوض جهود بناء الدولة.

ولا تقتصر مسؤولية الدولة على الجانب الأمني، بل تمتد إلى إعادة مؤسساتها للعمل، وعودة الأجهزة القانونية والمدنية، واستعادة الخدمات الأساسية، وتهيئة الظروف لعودة النازحين، وبدء إعادة إعمار المناطق المتضررة من الحرب.

وفي المقابل، يتحمل المجتمع السوداني مسؤولية كبيرة في مرحلة التعافي الوطني. فقد خلفت الحرب جراحاً عميقة؛ فقدت خلالها أسر كثيرة أبناءها وممتلكاتها ومصادر رزقها، وتعرض البعض للاختطاف والتعذيب والقتل. ولذلك فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى خطاب وطني مسؤول يساعد على تضميد هذه الجراح، وتقديم مصلحة الوطن على الخلافات.

كما يجب أن يدرك الجميع أن الجرائم تُنسب إلى مرتكبيها، ولا يجوز تحميل أي مكون اجتماعي أو قبيلة مسؤولية أفعال أفراد حملوا السلاح وارتكبوا الانتهاكات. فالمحاسبة تكون على أساس الفعل والمسؤولية القانونية، وليس على أساس الانتماء.

إن الحفاظ على وحدة المجتمع السوداني وترميم النسيج الاجتماعي يمثلان جزءاً أساسياً من معركة استعادة الدولة، لأن السلام الحقيقي لا يتحقق فقط بوقف القتال، وإنما بإعادة الثقة بين أبناء الوطن الواحد ومنع آثار الحرب من التحول إلى صراعات مستمرة.

وأخيراً، فإن ما ورد في هذا المقال لا يأتي من باب تقديم النصح أو الإرشاد للمسؤولين، فهم أدرى بما يقتضيه الواجب الوطني، وإنما يأتي من باب الحرص على مستقبل السودان، ومن باب الاطمئنان على اكتمال مسيرة استعادة الدولة. وكما قال الله تعالى في محكم تنزيله:

﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾

فهي كلمات يملؤها الأمل والرجاء بأن تكتمل ثمرة التضحيات بإدارة حكيمة للنصر، وأن تتحول هذه المرحلة إلى بداية بناء دولة قوية مستقرة.

إن الدول لا تُقاس فقط بقدرتها على الانتصار في الحروب، وإنما بقدرتها على إدارة مرحلة ما بعد النصر. واليوم، وبعد أن أثبتت القوات المسلحة قدرتها على إدارة المعركة، فإن التحدي القادم هو إستكمال النصر وإدارة الانتصار بحكمة ومسؤولية، حتى لا تتحول نهاية التمرد إلى بداية معاناة جديدة، بل إلى بداية مرحلة تُستعاد فيها الدولة وتترسخ فيها قيم الأمن والقانون والاستقرار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى