المشاهد القادمة من إقليم تيغراي الخميس أعادت إلى الأذهان واحدة من أكثر الحروب الأفريقية دموية خلال السنوات الأخيرة. مقاتلون ينتشرون في شوارع ميكيلي، وتصاعد للتوتر بعد عمليات عسكرية في مواقع متعددة، ومخاوف من أن تكون إثيوبيا على أعتاب دورة جديدة من الحرب.
وأظهرت صور حصلت عليها رويترز قوات تيغراي وهي تنتشر في ميكيلي في 24 سبتمبر، وسط تصاعد التوتر بعد هجوم واسع في عدة مواقع ضد الحكومة الفيدرالية، وفق وصف الوكالة للصور. (Reuters Connect)
السؤال الآن ليس فقط ما إذا كانت اشتباكات جديدة ستقع، وإنما ما إذا كان النظام السياسي الذي أنهى الحرب السابقة بدأ يتفكك.
اتفاق بريتوريا تحت الاختبار
انتهت الحرب الكبرى بين الحكومة الإثيوبية والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي باتفاق بريتوريا عام 2022.
كان الاتفاق يفترض أن ينهي العمليات العسكرية ويعيد دمج الإقليم تدريجياً في الدولة الإثيوبية، لكن القضايا التي فجرت الحرب لم تختف تماماً.
ظل الخلاف قائماً حول الأراضي والسلطة وإعادة المقاتلين والعلاقة بين تيغراي والحكومة المركزية، بينما ظهرت انقسامات داخل القيادة السياسية في الإقليم نفسه.
ومع مرور الوقت أصبحت تلك الخلافات أكثر صعوبة.
أزمة داخل تيغراي
أحد أخطر عناصر الأزمة الحالية أن المشكلة ليست مجرد مواجهة بين أديس أبابا وميكيلي.
فداخل تيغراي نفسه ظهرت خلافات سياسية وعسكرية بشأن القيادة ومستقبل الإقليم والعلاقة مع الحكومة الفيدرالية.
وعندما تنقسم حركة مسلحة خرجت للتو من حرب كبرى، تصبح عملية السلام أكثر هشاشة، لأن الحكومة المركزية لا تعود أمام شريك واحد قادر على تنفيذ أي اتفاق.
الجغرافيا الخطرة
تكمن خطورة أي حرب إثيوبية جديدة في موقع البلاد.
إثيوبيا دولة يزيد سكانها على 100 مليون نسمة وتقع في قلب القرن الأفريقي، وتجاور السودان وإريتريا والصومال وجيبوتي وكينيا وجنوب السودان.
لذلك لا تبقى أزماتها داخل حدودها.
الحرب السابقة أدت إلى تدفقات للاجئين نحو السودان، وخلقت توترات مع إريتريا، وأثرت في الاقتصاد الإثيوبي وفي الاستقرار الإقليمي.
والآن يأتي التصعيد بينما السودان نفسه يعيش حرباً واسعة.
أي موجة نزوح جديدة باتجاه الحدود السودانية ستقع في منطقة لا تمتلك أصلاً قدرة طبيعية على استقبال أعداد كبيرة من اللاجئين.
إريتريا.. العامل الذي لا يمكن تجاهله
هناك أيضاً العامل الإريتري.
دخلت القوات الإريترية الحرب السابقة إلى جانب الحكومة الإثيوبية، وأصبحت العلاقة بين أسمرة وتيغراي واحدة من أكثر الملفات حساسية.
ولذلك فإن اتساع الحرب يمكن أن يحول الصراع مرة أخرى من أزمة إثيوبية داخلية إلى مواجهة إقليمية.
الاقتصاد لا يحتمل حرباً أخرى
تأتي الأزمة أيضاً في وقت تحاول فيه إثيوبيا معالجة مشكلات اقتصادية كبيرة.
الحروب الطويلة تعني زيادة الإنفاق العسكري، تراجع الاستثمار، تعطيل التجارة والسياحة، وارتفاع مخاطر الديون.
وتضرر شمال البلاد بصورة هائلة في الحرب السابقة، وبالتالي فإن اندلاع مواجهة واسعة جديدة سيعيد عملية الإعمار سنوات إلى الوراء.
لماذا يجب أن يراقب السودان؟
بالنسبة للسودان، التطورات ليست ملفاً خارجياً عادياً.
هناك حدود طويلة ومفتوحة نسبياً، ومشكلة الفشقة، وملف سد النهضة، والعلاقات الإثيوبية–الإريترية، وحركة اللاجئين، فضلاً عن شبكة التحالفات الجديدة التي أنتجتها الحرب السودانية.
وهذا يجعل استقرار إثيوبيا مصلحة أمنية مباشرة للسودان.
المشكلة الأكبر أن القرن الأفريقي أصبح يضم عدة أزمات متداخلة بدلاً من أزمة واحدة: حرب السودان، التوتر الإثيوبي–الإريتري، الصومال، البحر الأحمر، واليمن على الضفة المقابلة.
إذا عادت إثيوبيا إلى حرب واسعة، فإن المنطقة الممتدة من البحر الأحمر إلى وسط أفريقيا قد تدخل مرحلة جديدة من تداخل الحروب المحلية مع المنافسات الإقليمية.
وهذا هو السبب الذي يجعل صور المقاتلين في شوارع ميكيلي الخميس أكثر من مجرد تطور إثيوبي داخلي؛ إنها إنذار مبكر لمنطقة لا تحتمل حرباً كبرى إضافية.