رأي

إتجاه البوصلة.

بقلم /الجزولي هاشم.
“السودان لا يضيع… نحن من نختلف على الطريق”.
في السودان، لا تضيع البوصلة لأن الجهات اختفت، بل لأن الضجيج صار أعلى من صوت الحقيقة؛ فكل حزبٍ أو تنظيمٍ يصرخ: “أنا الطريق”، بينما الوطن يقف في المنتصف، يسأل: من يدلّني على نفسي؟
وليست الأزمة في اختلافنا، فالسودان وُلد مختلفاً بطبيعته وغنياً بتنوعه، ولكن الخطر يبدأ حين يتحول هذا التنوع إلى أدوات صراع بين الأحزاب والتنظيمات، لا إلى مصدر قوة للوطن؛ حين تتحول الانتماءات السياسية والقبلية إلى جدران فاصلة، لا جسور تواصل، ويُختصر المواطن في ولائه، لا في قيمته وإنسانيته.
ومن هنا، فإن اتجاه البوصلة لا يُقاس بخطابات الأحزاب، بل بممارساتها؛ هل قرّبت القوى السياسية بين الناس أم عمّقت الانقسام؟ وهل أصبح الخلاف السياسي وسيلة لبناء رؤى وطنية، أم مجرد صراع على السلطة؟ ثم هل ظل الإعلام مساحة لنقل الحقيقة، أم أصبح امتداداً لصوت الانقسام الحزبي؟
وفي هذا السياق، تقف المنابر الإعلامية على مفترق طرق؛ فإما أن تكون مرآة صادقة تعكس الواقع، أو أداة تُستخدم في صراعات التنظيمات. فالكلمة لم تعد مجرد رأي، بل أصبحت موقفاً سياسياً قد يساهم في بناء الوطن… أو تمزيقه. وفي المقابل، يظل التعليم بعيداً عن هذا الصخب، يؤدي دوره بصمت، لكنه يظل الأمل الحقيقي، لأن الأجيال التي تتعلم قيم الحوار والتعايش اليوم، هي التي ستكسر دائرة الصراع غداً.
ومع ذلك، وبقدر ما تبدو الأزمة صراعاً بين قوى سياسية، فإن جذورها أعمق؛ فالمشكلة لم تعد فقط: من يحكم؟ بل كيف تُدار السياسة؟ فالأوطان لا تنهار فقط بسبب اختلاف الأحزاب، بل حين تتحول المنافسة السياسية إلى خصومة دائمة، وحين يصبح العناد الحزبي بديلاً للحوار الوطني.
ولذلك، فإن الأزمة الحقيقية ليست في غياب الحلول، بل في غياب الإرادة السياسية للتوافق؛ إذ تتعامل كثير من التنظيمات مع الوطن وكأنه ساحة إثبات، لا مساحة شراكة، فيظن كل طرف أنه يملك الحقيقة وحده، متناسياً أن الوطن أكبر من أي برنامج سياسي، وأبقى من أي صراع حزبي.
ثم إن أخطر ما تتركه هذه الممارسات ليس فقط الأزمات الظاهرة، بل ما تزرعه في وجدان الناس من فقدان ثقة في العمل السياسي نفسه؛ وهي خسارة أكبر من أي خلاف، لأن جيلاً كاملاً قد ينشأ وهو لا يرى في السياسة وسيلة للبناء، بل سبباً للانقسام… وتلك هي الخسارة الأعمق.
ومع ذلك، لا يمكن إعفاء الأحزاب والتنظيمات من مسؤوليتها الأساسية؛ فهي التي تقود المشهد، وهي التي تملك القدرة على تحويل الخلاف إلى توافق، أو إلى صراع. فحين تغيب الأخلاق عن الممارسة السياسية، يتحول الاختلاف إلى أزمة، ويتحول الوطن إلى ساحة تنازع.
ومن هنا، فإن الوطن لا يُبنى بخطابات المنابر، بل بممارسات القوى السياسية؛ في قراراتها، وفي تحالفاتها، وفي قدرتها على تقديم مصلحة الوطن على المصالح الضيقة. فالمواقف الصغيرة داخل العمل السياسي هي التي تصنع الفارق الكبير في مصير الأوطان.
وعليه، فإن اتجاه البوصلة لن يتغير ما دامت كل جهة تنتظر الأخرى لتتنازل؛ لأن الإصلاح السياسي يبدأ حين تدرك القوى المختلفة أن الوطن ليس ساحة انتصار لطرف، بل مسؤولية مشتركة للجميع.
وربما لا تملك الأحزاب تغيير كل الواقع، لكنها تملك أن تغيّر أسلوبها، وأن تعيد تعريف دورها، وأن تنتقل من صراع المواقع إلى شراكة الأدوار؛ وذلك هو الطريق الأقرب لأي إصلاح حقيقي.
وفي النهاية، لا يحتاج السودان إلى بوصلة جديدة، بل إلى إعادة معايرة الضمير السياسي؛ إلى شجاعة المراجعة قبل تبادل الاتهامات، وإلى اتفاق على حدٍ أدنى من الحقيقة، وحدٍ أعلى من المسؤولية الوطنية.
فالسودان لا يضيع…
لكن حين تختلف عليه الأحزاب أكثر مما تتفق،
يصبح الطريق أبعد مما نتصور.
فهل تملك القوى السياسية الشجاعة لتعيد الاتجاه؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى