كانت نقطة الانطلاق الأولى لهذا التحقيق هي سلسلة من التحقيقات نشرَتها منصّة «قصص ممنوعة Forbidden Stories» بناءً على وثائق مسرّبة من داخل شبكة يفغيني بريغوجين الإعلامية. بدأت خيوط هذه الشبكة في الظهور عندما تلقّت مجلة «The Continent» الجنوب أفريقية رسالة مجهولة المصدر تحتوي على أكثر من 1431 صفحة من الوثائق الداخلية التابعة لشبكة يفغيني بريغوجين الإعلامية، ضمّت خططاً استراتيجية وتقارير ومراسلات وأنشطة وميزانيات وسيَراً ذاتية لمسؤولين ومشرفين على عمليات المجموعة التي تُعرَف داخلياً باسم (الشركة). كُوِّن فريقٌ بحثي ضمَّ مؤسسات صحفيةً مختلفة منهاThe Continent وForbidden Stories The Continent وForbidden Stories في تحالف دولي ضمّ أيضاً All Eyes On Wagner وDossier Center الروسي، وopenDemocracy وiStories، وصحافيين روس، وأُخضِعت الوثائق المدوّنة باللغة الروسية لعمليات تدقيق ومراجعة شاملة للتحقّق من صحّتها. ومن المؤسسات التي شاركت أيضاً ونشرت التحقيقات إذاعة فرنسا الدولية، فرانس 24، صحيفة لوموند، صحيفة دير شبيغل الألمانية، مركز دوسيه الروسي ومكتب التحقّق من الحقائق التابع لـ OCCRP. وقد كشفت هذه الوثائق عن «ماكينة» ضخمة للدعاية المضلّلة تديرها شبكة من الشركات الروسية في القارة من أبرزها مجموعة «فاغنر» شبه العسكرية. بدءاً من فبراير 2026، نَشرت منصّة Forbidden Stories وشركاؤها تلك السلسلة من التحقيقات بعنوان «من داخل ملفات آلة الدعاية الروسية» وتكشف عن تفاصيل جديدة بشأن المجموعة التي أدارت مشروع النفوذ الروسي في أفريقيا تحت رئاسة يفغيني بريغوجين، مؤسِّس مجموعة «فاغنر»، قبل أن تنتقل بعض أنشطتها إلى إشراف مباشر من مؤسسات الدولة الروسية عقب مقتله في حادث تحطم طائرة في أغسطس 2023، بعد أسابيع قليلة من تمرُّده على الرئيس فلاديمير بوتين.
لكنّ هذه الوثائق لم تكن نهاية البحث، بل كانت الخيط الأول الذي قاد إلى أسئلة جديدة وطرق بحث صحفية مستقلة ركّزت على أنشطة الشبكة في السودان، وهو ما لم تتطرّق إليه تحقيقات منصة «قصص ممنوعة» إلا بإشارات عرضية عن نشاط بعض العملاء الروس في السودان. لئن كشفت هذه الوثائق عن تفاصيل دقيقة ومهمة في مشروع الدعاية والنفوذ الروسي في أفريقيا، فقد تتبّع هذا التحقيق بدوره خيوط المعلومات والبيانات والأسماء الواردة في الوثائق، وبحَث عن الشركات والمؤسسات المرتبطة بها، وقارن بين أنشطتها وتحركّاتها في كلّ من السودان وتشاد وليبيا ودول أفريقية أخرى.
وللتحقّق من المعلومات الواردة في الوثائق، لم يعتمد هذا التقرير على مصدر واحد، ولم يتعامل مع ما ورَد فيها باعتباره حقائق مكتملة، إنما نقّب في كثير من المصادر المفتوحة، وقارن بين الأسماء والوقائع والتواريخ والأنشطة مع مصادر أصلية ومستقلة، شملت وثائق حكومية وبيانات رسمية، وتقارير برلمانية، ووثائق صادرة عن مؤسسات دولية مثل الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى تقارير صادرة عن مراكز أبحاث ودراسات مستقلة، وبعض التحقيقات الصحفية المنشورة في المجلات المتخصّصة وعلى منصّات وكالات الأنباء ووسائل الإعلام الروسية والعربية والعالمية، إضافة إلى أرشيف ومحتوى منشور على منصات التواصل الاجتماعي ومنصات ڤيديو مثل يوتيوب. وفي بعض الحالات، كان الوصول إلى الحقيقة يتطلب العودة إلى المصدر الرئيسي للمعلومة، بدلاً من الاكتفاء بما نقلته عنه وسائل الإعلام. لذلك جرى تتبّع البيانات الرسمية والوثائق الأصلية وتصريحات المسؤولين إلى مصادرها الأولية، بالإضافة إلى المواد المنشورة على المواقع الحكومية والمؤسسات البحثية، ومقارنتها بما ورَد في التحقيقات الصحفية. كما جرى استخدام بعض أدوات التحقق الرقمي ومصادر رصد التضليل الإعلامي والتحقق من المعلومات لمقارنتها مع المواد المنشورة.
وكان تعقُّب الأسماء نقطةً مهمّة في هذا التحقيق، إذ لم يكتفِ بما ورَد في الوثائق عن بعض الشخصيات التي ظهرت في وثائق «قصص ممنوعة»، بل تتبّع آثارها في مصادر أخرى، مثل التصريحات الصحفية والظهور الإعلامي، وحتى من خلال الحسابات الشخصية والرسمية على منصّات التواصل الاجتماعي، إضافة إلى مطابقة الصور الشخصية وأنشطة هذه الشخصيات في الدول المذكورة. ومن خلال مطابقة هذه المعلومات، حاول التحقيق رسم صورة أقرب إلى الدقة لما تقوم به الشبكة الإعلامية الروسية في الواقع، بدلاً من الاكتفاء بما ورد في الوثائق.
كذلك لم يتعامل هذا التحقيق مع كلّ ما ورَد في الوثائق باعتباره دليلاً قاطعاً، فوجود اسم أو خطة داخل الملفات لا يعني بالضرورة أن ما ورد فيها قد نُفّذ على الأرض. لذلك كانت مهمّة هذا التحقيق شاقّة، لكنها اكتملت بالمثابرة والعمل المستمر.
استغرق العمل أكثر من ستة أسابيع من التحقق والتتبع والمقارنة، بهدف الإجابة عن سؤال واحد: هل نحن أمام أنشطة روسية متفرقة في أفريقيا، أم أمام شبكة تتكرّر فيها الشخصيات والأدوات والأساليب والمصالح من بلد إلى آخر؟ هذه هي القصة التي يحاول هذا التحقيق تتبّع خيوطها.