أهل الخرطوم يتساءلون: متى العودة؟ وكيف نعيش؟

على الرغم من مرور قرابة السنة من استعادة القوات المسلحة السودانية مدينة الخرطوم من قبضة الدعم السريع، ونهاية الاشتباكات والمعارك المباشرة بينهما في نطاقها، لا تزال شوارع مدينة الخرطوم وعمائرها مهجورة وخاويةً من مظاهر الحياة في أغلب الأحياء، وبقيَ وسط العاصمة صامتاً ومُوحشاً، باستثناء الأطراف المتباعدة عن بعضها البعض، ويتساءل أهلها: «كيف نعيش؟»، فالخرطوم اليوم لم تعد تُوفِّر مصادر دخل أو فرصَ عمل حقيقية وثابتة، في ظلّ ارتفاع حادّ في تكاليف المعيشة وانعدام البدائل الاقتصادية وانهيار الخدمات اليومية والعامة.

ويُواجه تطبيع الحياة في الخرطوم تحدّيات جمة، منها الانتشار الواسع وغير المضبوط للسلاح، وما قد يفضي إليه ذلك من تجدد الصراعات وتكرار الانتهاكات الإنسانية، والتدهور الاقتصادي والمعيشي، وانحسار سوق العمل وتمدُّد البطالة بين قطاعات اجتماعية واسعة وتفشّي الغلاء، وانهيار البنى الصحية والتعليمية وضعفها.

يُلاحظ مراسل «أتَـر» أنّ أغلب العائدين تركّزوا على الأطراف، شمال بحري وأقصى جنوب الخرطوم وشمال مدينة أم درمان، بينما تركّز السكان داخل مدينة الخرطوم في أحيائها القديمة مثل الرميلة والشجرة الحماداب والجريف غرب، وهجروا أغلب الأحياء الأخرى، مثل بُرّي وأركويت والمنشية والصحافات والمعمورة، التي تكاد تكون خالية. يَسأل مُراسلُ «أتَـر» سليمانَ الوسيلة، وكان يقطن قبل الحرب حي العُشرة جنوب مدينة الخرطوم: «متى العودة؟»، فيجيب بأنه بالفعل عاد إلى بيته في العُشرة، من مدينة شندي حيث نزح، لأكثر من مرة لإجراء إصلاحات في المنزل الذي طاله التخريب، لكنه لم يَستطع الإقامة الدائمة فيه، وفضَّل الإقامةَ في حي الكلاكلة حتى يتمكّنَ من إكمال الإصلاحات، بينما بقيت أسرتُه نازحةً في شندي لأسباب كثيرة، منها مواصلة الأولاد تعليمهم بالمدارس وانخفاض معدلات عودة الجيران إلى المنطقة، والشلَّل الكبير والمُحزن للحياة في حيٍّ يَعرف أسراره وشروط العيش فيه: «ليس هذا هو الحيّ التي وُلِدتُ فيه وأعرف رائحة بيوته وشوارعه وأهله، لقد تبدَّل بالكامل. السوق ساكنٌ طِوال الوقت ومُغلق، والبيوت خاليةٌ من الناس. لا جيران ولا أُنس، لا مواصلات ولا كهرباء أو خدمات، لا حياة أو عمل».

يَحكي الوسيلة لمُراسل «أتَـر»، قِصَّته مع الحرب منذ البداية: «فقدتُ رأسمالي ومحل عملي بالسوق الشعبي الذي يشهد بدَوره عودة بطيئة ومُتعسّرة بعد نهبه واحتراقه بالكامل، وتتعذّر عودته إلى العمل قريباً، بسبب خلوّ الأحياء المُحيطة في السجّانة والديم والصحافات وأركويت من السكّان، وتشتّت غالبيتهم بين النزوح الداخلي واللجوء والهجرة خارج البلاد».

في الشهور الأولى من الحرب، غادرَ حسن الماحي مع أسرته الناشئة إلى القاهرة، مُخلِّفاً وراءه كلَّ ما جناه طوال حياته للمجهول: بيتاً جميلاً في الكلاكلة شرق، دفع مقابله شقاء العمر، ومحلّاً للبيع بالجملة في السوق المحلي، وسيّارة بيضاء يتّخذها مُدَّخراً للنائبات وصلةً للعمل والأرحام. لكن كُلَّ ذلك ضاعَ في غيبته القسرية. تهدَّمَ البيتُ بالكامل إثرَ غارةٍ جويةٍ وسُويَّ بالأرض ولم يبقَ فيه جدارٌ قائمٌ، وسُرُق الأثاث والسيارة، ونُهبت البضاعة من المخازن ومن المحل بالسوق المحلي بالخرطوم.

عاد الماحي وحدَه بعد سنتَيْن من القاهرة إلى سوق مدينة عطبرة على أمل أن يُمهِّد بدايةً جديدة، فأوضاع الخرطوم وأسواقها والحياة فيها – كما يقول لمُراسل «أتَـر» – لا تَزال بعيدةً حتى بعد عودة الحكومة التي اتخذت مقارّ بديلة. يقول: «أُتابع عن كثبٍ أخبارَ السوق المحلي، فهو غير مُؤهّل لعودة التجار والقوى الشرائية، لا حركة للبيع والشراء ولا شيء. حتى الميناء البرّي صامت صمت القبور». ويُضيف: «ذهبتُ مرة واحدة لأرى البيت وعدتُ بحالة نفسية سيئة جداً؛ فقرّرتُ أن يبقى الأولاد بمصر لتأمين تعليمهم ومستقبلهم. هذا قرار نهائي لا رجعة عنه». عودة إلى العمل ولكن

قطَع معاوية، الكاتب الروائي والأستاذ الجامعي نزوحَه الشاقَّ إلى الولاية الشمالية، فور استعادة الخرطوم من قبضة الدعم السريع، ليعود إلى بيته في حي الأزهري جنوب الخرطوم، تاركاً عيالَه خلفَه، يُريد أن يقف على حقيقة الأوضاع وما جرى لمنزله، ومن ثم يُزاول عمله بإحدى الجامعات الخاصة التي فتحَتْ أبوابَها للطلاب أخيراً في أم درمان.

يسألُه مُراسل «أتَـر»: كيف وجدتَ المدينة حينها؟ وما الذي يحدث حالياً فيها؟

وصل مُعاوية إلى بيته راجلاً: «اغرورقت عيناي بالدمع حينما دلفت إلى منزلي، نهَب اللصوص والهَمْباتة أثاث المنزل كله تقريباً. لم يتركوا سوى ثلاثة أسرة حديدية وفراش واحد مُلقى على الأرض، تركوا أيضاً موقد الطبخ ودولاب الملابس بداخله ثلاثة قمصان وبنطال واحد مهترئ بعض الشيء وبعض الآنية المنزلية، ونجت المكتبة من النهب لكنهم بعثروا الكتب ورموها على الأرض». لقد بدت الخرطوم، لمعاوية، خلال الأيام الأولى بعد خروج الدعم السريع، أشدّ بؤساً مما هو عليه الحال حالياً، إذ إنّ العثور على الثلج، مثلاً، في الأسواق كان عسيراً: «كنتُ أتناول ماء الشرب من الزير، ولم تكن المياه الصالحة للشرب تتوفر إلا عند بائعي الماء الذين يجوبون الشوارع على ظهر الكوارُّو، أما الآن فقد تحسّن الوضع كثيراً بعد تشغيل محطات المياه في المقرن وسوبا وغيرهما، ولا تزال الكهرباء مقطوعة عن غالب مناطق الخرطوم، رغم أن القائمين على الأمر ما زالوا يُحاولون إعادة التيار ولكن ببطء شديد».

يُقيم معاوية في منزله حالياً دون أسرته ويزاول عمله في أم درمان، التي يقول عنها إنها على عكس الخرطوم، فالحياة فيها تبدو طبيعية بدرجة كبيرة مقارنة بمدينة الخرطوم.

وعن رحلته اليومية من المنزل في الأزهري إلى الجامعة في أم درمان، يقول معاوية إنّ تذاكر المواصلات المحلية باهظة: «يتعيّن عليّ، عند الذهاب إلى العمل والعودة منه، أن أركب ستّ حافلات في اليوم، وتُكلّفني نحو تسعة آلاف جنيه، وهو مبلغ لا يتناسب مع دخلي ومنصرفاتي الشخصية اليومية لمعاشي وحركتي، والشهرية لأسرتي النازحة، فتكلفة العيش في الخرطوم عالية، والأسعار في زيادة، وعليَّ أن أعوض أثاث المنزل، وكان أثاثاً يتناسب مع وضعي الاجتماعي، جمعتُ ثمنه من شقاء الاغتراب والسنين، ولن أستطيع استعادة مثله في حالٍ كهذي». بطالةٌ وظلامٌ دامس

يقول معاوية إنّ معظم السكّان من حوله في حي الأزهري مُتعطّلون عن العمل، ومشغولون فقط بكيفية الحصول على الطعام، بعد أن أغلَقَتْ مُعظم التكايا أبوابَها، يَقضُون اليوم كلَّه في الحي ولا يَتنقَّلون داخل المدينة، فالمُواصلات إلى السوق العربي فقط تُكلّف ألفَي جنيه، ومثلها إلى الكلاكلة من السوق المركزي، والناس فُقراء وفي عزلة كبيرة. وعند غروب الشمس تقَعُ المدينة فريسة للظلام الدامس، فلا تكاد ترى أحداً يُغادر منزله بعد حلول الليل إلا نادراً، ولا يكاد المرء في الليل يسمع إلا نباح الكلاب المُتقطّع وأصوات سيارات هنا وهناك تذرع الطرقات، وهي في الغالب سيارات الجيش أو الشرطة، وبعض المواطنين يضيئون منازلهم بالطاقة الشمسية. ويُلاحظ معاوية زيادةً في وتيرة عودة الناس هذه الأيام إلى الخرطوم، لكنها عودة محفوفة بالمخاطر، فهُنالك أمراض الملاريا والتايفويد، ولا أثرَ لغاز الطبخ والبنزين وسائر السلع البترولية.

ويَعزو معاوية قرار العودة إلى العاصمة، بالدرجة الأولى، إلى المصائر الشخصية للمواطنين أنفسهم، فتحدّي العودة يشمل من لا يمتلكون منازل خاصة بهم في مناطق النزوح ولا مصدر عيش مستقراً، وهؤلاء أقرب إلى خيار العودة الطوعية من غيرهم. لكنه ينبّه إلى قضية مُهمّة قد تقف عائقاً أمام عودتهم، وهي المسألة المُتعلّقة بتعليم أبنائهم، فالتعليم في ولاية الخرطوم لا يزال متعثراً، فضلاً عن انعدام بقية الخدمات الأخرى أو ضعفها.

يقول معاوية في خاتمة حديثه: «يعود الناس إلى الخرطوم وهم ينكرونها وهي تكاد تنكرهم أيضاً».

Exit mobile version