رأي

أمريكا وإيران: عندما يهمس الصمت قبل الصفقة

د. محمد يوسف حسن

في السياسة، لا تُعلن المفاوضات الكبرى بصوت مرتفع. بل تسبقها إشارات صغيرة، تهمس بها الدول لبعضها قبل أن تهمس بها للعالم. وما بعد جنازة المرشد الإيراني علي خامنئي في يوليو 2026، صار المشهد أشبه بلعبة شطرنج مغلقة، حيث الكبرياء يمنع الطرفين من الجلوس على الطاولة علناً، لكن الضرورة تدفعهم للبحث عن مخرج.

أول ما يدل على أن الباب الخلفي انفتح هو حركة الدبلوماسيين في الظل. حين يظهر سفير عُمان أو قطر أو سويسرا في طهران دون جدول معلن، أو حين يتكرر سفر وزير خارجية إيراني إلى مسقط أكثر من مرة في شهر واحد، فهذا يعني أن الورق بدأ يُكتب فعلاً. فالدول لا تُرسل رسلها الثقال إلا إذا كان هناك ما يستحق النقاش بعيداً عن عدسات الكاميرا.

ثم يأتي صوت الاقتصاد، وهو أصدق من أي بيان. فإذا لاحظ المراقبون أن سعر الدولار في السوق الموازي الإيراني تراجع فجأة من مستوياته المرتفعة إلى أرقام أقل بكثير خلال أسبوعين، دون أن يكون هناك تحسن اقتصادي حقيقي، فالمعنى أن هناك ضخاً للدولار من أرصدة كانت مجمدة. وهذه الدفعة الأولى غالباً ما تكون إشارة أمريكية غير معلنة بأن شيئاً ما يُطبخ على نار هادئة. فالمال يسبق الكلام دائماً.

وبالتوازي مع ذلك، تتحرك الناقلات بصمت. حين ترتفع صادرات إيران النفطية فجأة إلى أكثر من مليون برميل يومياً، وتلتزم واشنطن الصمت ولا تُصدر عقوبات جديدة، فهذه ليست غفلة. بل هو ما يُسمى في أوساط التفاوض “الإعفاء الصامت”. إذ تسمح واشنطن لطهران بالتنفس اقتصادياً، مقابل أن تلتزم طهران الصمت ولا تعلن انتصاراً.

ولا يقل الإعلام أهمية عن المال والنفط. فتغير النبرة في الصحف هو مؤشر نفسي دقيق. حين تخف حدة خطاب كيهان أو تسنيم الإيرانية وتتراجع كلمات مثل “الشيطان الأكبر” لتحل محلها عبارات أكثر برودة مثل “الطرف الأمريكي”، وحين تبدأ وسائل إعلام أمريكية بالحديث عن “مرونة إيرانية”، فاعلم أن أجهزة التوجيه الإعلامي تلقت إشارتها. فالرأي العام يجب أن يُهيأ أولاً ليقبل التنازل، قبل أن يُعلن التنازل نفسه.

أما المؤشر الأخير فهو صمت السلاح. فعندما تتوقف مناورات الحرس الثوري الكبرى فجأة، وعندما يبتعد الأسطول الأمريكي الخامس عن سواحل مضيق هرمز بمسافة محسوبة، فهذا ليس صدفة. إنه اتفاق غير مكتوب على تهدئة ميدانية، لأن الطرفين يعرفان أن أي حادث عسكري صغير يمكن أن ينسف شهوراً من التفاوض السري.

هذه المؤشرات الخمسة لا تظهر معاً في يوم واحد. لكن ظهور ثلاثة منها على الأقل يعني أننا لم نعد في مرحلة المناورة والاستعراض. بل دخلنا مرحلة التفاوض الجاد. فالحشد الذي رافق جنازة خامنئي منح طهران رصيداً شعبياً يؤخرها عن التنازل، والضغط الأمريكي منح واشنطن هيبة تؤخرها عن رفع العقوبات. لكن المؤشرات هي التي تحدد متى يصبح الصمود أغلى من الجلوس.

وفي النهاية، التاريخ لا يبدأ باتفاق. بل يبدأ بهمسة. وهمسة الدول الكبرى لا تُسمع في قاعات الأمم المتحدة، بل في حركة سفير، وفي سعر عملة، وفي ناقلة نفط، وفي سطر صحفي، وفي صمت مدفع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى