أزمة الحكومات العربية والإفريقية ليست أزمة سلطة فحسب، بل أزمة بنيوية مركبة تتداخل فيها عوامل الهوية، الشرعية، القيادة، والعلاقات المدنية – العسكرية.
تتجلى هذه الأزمة في عدة مظاهر رئيسية: ١- غياب الهوية الجامعة: حيث لم تنجح الدولة الوطنية في هذه الدول في إنتاج مشروع جامع يتجاوز الانتماءات الضيقة (القبلية، الجهوية، والآيديولوجية). فبقي الولاء للأشخاص والجماعات لا للدولة.
٢- غياب البرنامج الوطني: معظم القوى السياسية تحركت بلا برامج حقيقية لإدارة الدولة، واكتفت بشعارات عامة، ما جعل الصراع يتمحور حول السلطة لا حول البرامج والسياسات.
٣- ضعف القيادات وفسادها: القيادات في كثير من الحالات لم تكن على مستوى المسؤولية التاريخية، وافتقرت إلى النزاهة، والرؤية، والاستعداد للتضحية من أجل الصالح العام.
٤- علاقات متأرجحة مع أو ضد: السياسات قائمة على الاصطفاف لا على المصالح الوطنية، ما أفقد الدولة استقلال قرارها، وعمّق هشاشتها داخلياً وخارجياً.
خصوصية الحالة السودانية – مأزق النخبة والانقلابات
في السودان تتخذ الأزمة شكلاً أكثر حدةً وتعقيداً: – جميع الانقلابات العسكرية لم تكن عسكرية صرفة، بل قامت على شراكة مدنية عسكرية، بمشاركة النخب في التخطيط، ووفرت الغطاء السياسي. هذا السلوك المزدوج أفقد النخبة الاحترام، والفاعلية، والمصداقية لدى الشارع.
– تكرار الانقلابات وتنوع أشكالها واستخدام القوى الصلبة للوصول للسلطة جعل العنف أداة طبيعية لحسم الصراع السياسي.
النتائج الحتمية: ١- ضعف المكون المدني. ٢- انقسام المكون المدني إلى فرق متناحرة. ٣- غياب جبهة وطنية موحدة. وهذا ما قاد مباشرةً إلى الحرب التي نعيشها الآن.
العلاج: العلاج ليس سهلاً ولا ميسراً، لكنه ممكن إذا توفرت الإرادة والوضوح. وهو علاج جذري لا ترميمي، وخطواته:
– معالجة الحرب أولاً كأولوية مطلقة. – الشروع في الانتقال السياسي. – الاعتراف الجماعي بالمسؤولية ولا إعفاء لأحد. – الاعتراف شرط أساسي للمصالحة وبناء الثقة. – تفكيك العلاقة المرضية بين السياسة والسلاح والمال. – إعادة بناء المكون المدني ليس بتوسيع التحالفات الشكلية، بل بغربلة القيادات، وتجديد النخب، وتمكين الشباب والمرأة، وربط السياسة بالبرامج لا بالشعارات. – توافق على مشروع وطني جامع. – عدالة انتقالية حقيقية، لا للانتقام ولا الإفلات من العقاب، بل عدالة كشف الحقيقة لإنصاف و إعادة الاعتبار للضحايا.
خاتمة: ما نعيشه اليوم ليس قدراً محتوماً، بل نتيجة تراكم أخطاء سياسية وأخلاقية. والخروج من هذه الأزمة يتطلب شجاعة في الاعتراف، وصدقاً مع الذات، وتغليب مصلحة الوطن على مصلحة السلطة. إن لم نعالج جذور الأزمة بعمق، فسنخرج من هذه الحرب إلى حربٍ أخرى قد تكون بشكل مختلف.