رأي

أزمة الحكم بالسودان: إصلاح خلل المنظومة أولاً قبل تبديل الحكومة

عباس دليل

[هذا المقال تولد ضمن حواراتي مع د.اسماعيل ساتي أحد رواد الفكر المنظومي ومؤلفي كتبه باللغة العربية بمقاله الرائع بعنوان (قراءة منظومية فى الدعوات المتكررة لتغيير الحكومات السودانية]

مقدمة:

تتجدد الدعوات في السودان إلى تغيير الحكومة برئاسة الدكتور كامل إدريس، في ظل تفاقم الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية والإدارية. وبينما تستند بعض هذه الدعوات إلى تقييم أداء الحكومة ومساءلتها عن نتائجها، فإن المعالجة الاستراتيجية للأزمة تقتضي تجاوز السؤال التقليدي: من يحكم؟ إلى سؤال أكثر عمقاً وجوهرية: كيف تعمل منظومة الحكم؟ وما الاختلالات التي تعوق أداءها وتحد من قدرتها على إدارة الدولة وتحقيق أهدافها الوطنية؟

إن اختزال الأزمة في الأشخاص، رغم أهمية الكفاءة والمساءلة، يغفل أن أداء الحكومة لا يتحدد بقدرات شاغلي المناصب وحدهم، بل يتأثر كذلك بطبيعة البيئة الدستورية والمؤسسية التي يعملون في إطارها، وبكيفية توزيع السلطات والمسؤوليات، ووضوح الاختصاصات، وآليات اتخاذ القرار والتنفيذ والرقابة والمحاسبة.

ومن هنا، فإن تغيير الحكومة، دون تشخيص جذور الأزمة ومعالجة أسبابها البنيوية، قد يؤدي إلى استبدال أشخاص بآخرين مع استمرار الاختلالات نفسها، فتتكرر الإخفاقات وتتجدد الأزمات، وإن تغيرت الوجوه والشعارات.

أولاً: الخلل البنيوي المزدوج في منظومة الدولة:

يواجه السودان اختلالين بنيويين مترابطين في البناء الدستوري والمؤسسي، يؤثران بصورة مباشرة في شرعية الحكم وفاعليته، ويحدان من قدرة مؤسسات الدولة على أداء وظائفها وفق قواعد واضحة ومستقرة.

الخلل الأول: غياب دستور انتقالي متكامل ومتوافق عليه..

إن غياب إطار دستوري انتقالي متكامل يحدد طبيعة الدولة، ونظام الحكم، واختصاصات مؤسساتها، والعلاقة بين السلطات، وضمانات الحقوق والحريات، وآليات انتقال السلطة، يفضي إلى غموض المرجعيات الدستورية، ويزيد احتمالات تداخل الصلاحيات وتنازع الاختصاصات، ويجعل إدارة الدولة أكثر عرضة للاجتهادات المتباينة وموازين القوى المتغيرة.

فالدستور ليس مجرد وثيقة قانونية تنظم ممارسة السلطة، بل هو المرجعية العليا التي تحدد قواعد الحكم، وتضبط العلاقة بين الدولة والمجتمع، وتؤسس لشرعية المؤسسات، وتضمن خضوع السلطات للقانون. ولذلك، فإن غياب إطار دستوري انتقالي واضح ومتوافق عليه يضعف انتظام عمل مؤسسات الدولة، ويجعل الاستقرار السياسي والمؤسسي أكثر هشاشة.

الخلل الثاني: غياب سلطة تشريعية ورقابية فاعلة على الجهاز التنفيذي..

إن غياب سلطة تشريعية تمثيلية تمارس اختصاصاتها في التشريع والرقابة والمساءلة يخل بالتوازن المؤسسي بين السلطات، ويضعف الرقابة على أداء الحكومة، والإنفاق العام، وتنفيذ السياسات والبرامج، ومدى الالتزام بالأولويات الوطنية.

وفي غياب هذه السلطة، يفتقر الجهاز التنفيذي إلى إحدى أهم آليات الرقابة المؤسسية التي تضمن مراجعة القرارات، ومساءلة المسؤولين، وكشف أوجه القصور، وتصحيح الانحرافات. كما تتراجع فرص إخضاع الأداء الحكومي لتقييم موضوعي ومنتظم، قائم على الشفافية والنتائج، بدلاً من تركه رهينة للتجاذبات السياسية والحملات الإعلامية.

وتكمن خطورة هذا الخلل في أنه لا يتعلق بغياب مؤسسة تشريعية فحسب، بل بضعف إحدى الركائز الأساسية للحوكمة الرشيدة، المتمثلة في الفصل المتوازن بين السلطات، والرقابة المتبادلة، وربط ممارسة السلطة بالمساءلة والمحاسبة.

إن تفاعل هذين الاختلالين يشكل خللاً بنيوياً مزدوجاً في منظومة الحكم السوداني؛ فغياب المرجعية الدستورية الانتقالية المتكاملة، مقترناً بغياب سلطة تشريعية ورقابية فاعلة، يضعف وضوح الصلاحيات، ويحد من المساءلة المؤسسية، ويجعل تصحيح الأخطاء أكثر صعوبة، ويهيئ الظروف لإعادة إنتاج الأزمات مهما تغير شاغلو المناصب.

ثانياً: من تغيير الأشخاص إلى إصلاح منظومة الحكم

إن التفكير المنظومي لا ينفي مسؤولية الأفراد، ولا يقلل من أهمية الكفاءة والنزاهة والقدرة على القيادة واتخاذ القرار، بل يميز بين مستويين متكاملين للمعالجة: مستوى يتعلق بأداء المسؤولين ومدى أهليتهم لشغل مناصبهم، ومستوى يتعلق بسلامة المنظومة المؤسسية التي يعملون من خلالها.

فقد يكون تغيير رئيس الوزراء أو بعض الوزراء ضرورياً إذا أثبت التقييم الموضوعي وجود إخفاقات تستوجب المساءلة أو التغيير، لكن هذا الإجراء، بمفرده، لا يضمن تحسن الأداء ما لم يقترن بإصلاح البيئة الدستورية والمؤسسية التي تحدد صلاحيات الحكومة، وتنظم علاقاتها بمؤسسات الدولة الأخرى، وتضمن التنسيق بين أجهزتها، وتربط المسؤولية بالمحاسبة.

وعليه، فإن الأولوية لا ينبغي أن تكون للمفاضلة بين بقاء الحكومة ورحيلها بمعزل عن السياق المؤسسي، بل لتحديد طبيعة الإصلاحات المطلوبة، والاختلالات التي ينبغي معالجتها، والنتائج التي يُراد تحقيقها.

ويقتضي ذلك العمل على تأسيس إطار دستوري انتقالي متكامل ومتوافق عليه، وإنشاء سلطة تشريعية ورقابية فاعلة وفق ترتيبات شرعية وتوافقية، وتحديد اختصاصات مؤسسات الدولة وعلاقاتها بصورة واضحة، وتعزيز استقلال القضاء وسيادة القانون، وإرساء قواعد الشفافية والمساءلة، وربط السياسات العامة بأولويات وطنية وبرامج تنفيذية ومؤشرات أداء قابلة للقياس.

كما يتطلب بناء منظومة فعالة للتنسيق بين المؤسسات، وتحديد المسؤوليات التنفيذية، ومراجعة الأداء بصورة دورية، وتوفير آليات مؤسسية للتعلم من الأخطاء وتصحيح المسار، بما يضمن تحويل الخطط والقرارات إلى نتائج ملموسة تنعكس على حياة المواطنين.

خاتمة: إصلاح الدولة هو المدخل إلى إصلاح الحكومة

إن أزمة الحكم في السودان أعمق من أن تُختزل في شخص رئيس الوزراء أو مجموعة الوزراء، كما أن إصلاح الدولة لا يمكن أن يتحقق بمجرد استبدال المسؤولين وتكليف آخرين بإدارة المنظومة ذاتها، مع استمرار الاختلالات الدستورية والمؤسسية التي تحد من فاعليتها.

فالتغيير الحكومي قد يكون خياراً مشروعاً وضرورياً تفرضه مقتضيات الأداء والمساءلة، لكنه لا يصبح إصلاحاً حقيقياً إلا إذا استند إلى تشخيص دقيق لجذور الأزمة، وارتبط بإجراءات عملية تعالج أسبابها البنيوية، وتؤسس لمنظومة حكم أكثر وضوحاً وتوازناً وكفاءة وخضوعاً للمساءلة.

إن المدخل الصحيح لمعالجة أزمة الحكم في السودان هو إصلاح منظومة الدولة أولاً، من خلال استكمال البناء الدستوري الانتقالي، وتأسيس السلطة التشريعية والرقابية، وضبط العلاقة بين السلطات، وتعزيز سيادة القانون والحوكمة الرشيدة، ثم تقييم أداء الحكومة ومحاسبتها في إطار مؤسسي واضح.

فالسودان لا يحتاج إلى تبديل الوجوه وحده، بل إلى تغيير القواعد والعلاقات والآليات التي تحكم عمل الدولة، والانتقال من إدارة الأزمات المتكررة إلى معالجة جذورها، ومن الصراع حول السلطة إلى التوافق على بناء الدولة الوطنية الحديثة.

فالنهضة لا تبدأ بتغيير من يجلس على مقعد السلطة فحسب، بل ببناء مؤسسات تحدد صلاحياته، وتراقب أداءه، وتحاسبه، وتضمن أن تكون السلطة وسيلة لخدمة الوطن والمواطن، لا غاية في ذاتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى