آفاق التمويل وقاطرة التعافي الاقتصادي المستدام

​ د. محمد عوض محمد متولي

​تُعد الخطوة الاستراتيجية التي اتخذها بنك السودان المركزي بإصدار المنشور رقم (2026/6) لتعديل سقوف التمويل الأصغر والصغير، استجابةً ضرورية وحتمية للمتغيرات الاقتصادية المتسارعة التي فرضت واقعاً نقدياً جديداً يتطلب مرونة فائقة في إدارة السيولة وتوجيه الائتمان. إن هذا المنشور يُمثل نقطة تحول جوهرية في مسار السياسة النقدية التوسعية الموجهة نحو القطاعات الإنتاجية، حيث تأتي هذه الخطوة في توقيت بالغ الحساسية يتطلب استجابة مرنة لمتطلبات إعادة الإعمار وتحفيز النمو، إذ إن فلسفة التمويل الأصغر في الأدبيات الاقتصادية الحديثة لم تعد تقتصر على كونها أداة للحماية الاجتماعية أو محاربة الفقر فحسب، بل أصبحت ركيزة أساسية في هيكل الاقتصاد الكلي تهدف إلى ردم الفجوة التمويلية وتعزيز الكفاءة الإنتاجية لصغار المنتجين.

​إن تحليل المنهجية العلمية التي اتبعها البنك المركزي في رفع السقوف التمويلية يكشف عن رؤية تهدف إلى مواءمة الكتلة النقدية مع معدلات التضخم وتكلفة المدخلات المتزايدة؛ فالمتأمل في هيكلية الاقتصاد الكلي يدرك أن فاعلية التمويل لا تُقاس بالقيم الاسمية للأموال الممنوحة، بل بقدرتها على توليد قيمة مضافة حقيقية في ظل الضغوط التضخمية التي أدت إلى تآكل القوة الشرائية. ومن هنا، فإن رفع سقف التمويل في القطاع الزراعي بشقيه النباتي والحيواني ليصل إلى 16 مليون جنيه، والحيواني الموجه للصادر إلى 25 مليون جنيه، يمثل محاولة جادة لملاحقة الارتفاع المطرد في تكاليف الإنتاج من أسمدة وآليات ولقاحات بيطرية، مما يمنح المنتج الصغير قدرة تنافسية تمكنه من الدخول في دورة إنتاجية متكاملة دون التعثر بسبب نقص التمويل. ​وفي سياق متصل، برز الاهتمام بقطاع النقل المرتبط بالإنتاج برفع سقفه إلى 15 مليون جنيه، وهي خطوة تعكس فهماً دقيقاً لمشكلات سلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية التي تعد العصب الحساس لنقل المنتجات من مناطق الإنتاج إلى مراكز الاستهلاك والتصدير. وبالمثل، جاء رفع سقوف القطاع المهني والحرفي إلى 12 مليون جنيه، وقطاعي التجارة والصناعة إلى 9 ملايين جنيه، ليؤكد الرغبة في تنشيط القطاع غير المنظم ودمجه في الدورة الاقتصادية الرسمية، مما يساهم في تقليل معدلات البطالة وتحويل الطاقات البشرية إلى وحدات إنتاجية فاعلة. ولعل الإضافة النوعية الأكثر أهمية هي استحداث قطاعات “سلاسل القيمة” بغرض الصادر بسقوفات وصلت إلى 25 مليون جنيه، وهو توجه يمثل انتقالاً من التمويل التقليدي إلى التمويل الاستراتيجي الذي يهدف لمعالجة الخلل الهيكلي في الميزان التجاري عبر تعظيم القيمة المضافة للمنتجات السودانية قبل تصديرها، بما يعزز من مكانة السودان كلاعب أساسي في منظومة الأمن الغذائي الإقليمي والدولي.

​من الناحية المنهجية، فإن بناء نظام نقدي ومالي رقمي شامل يتطلب أن تتبع هذه الزيادات ثورة في آليات الوصول إلى التمويل عبر التقنيات المالية (FinTech)، لضمان وصول الأموال لمستحقيها وبأقل تكلفة إدارية، مما يعزز الشمول المالي ويسمح للمصارف بإدارة المخاطر الائتمانية بدقة. وفي إطار تعظيم الاستفادة من هذه السقوف، نضع أمام الجهاز المصرفي ورقة سياسات إجرائية تبدأ بضرورة تطوير نماذج تقييم مخاطر تتناسب مع طبيعة المشروعات الصغيرة، والاعتماد على التدفقات النقدية المتوقعة بدلاً من الضمانات العينية التقليدية، مع تفعيل نافذة التمويل الرقمي لضمان سرعة الوصول في المواقيت الحرجة للمواسم الإنتاجية. كما تشتمل المقترحات المنهجية على اعتماد نظام “التمويل الجماعي” عبر الجمعيات التعاونية، حيث يمكن للمنتجين دمج سقوفهم لإنشاء وحدات تصنيع زراعي أو مسالخ حديثة، مما يحقق وفورات الحجم ويقلل مخاطر التعثر الفردي. ​وعلى صعيد الحوكمة، فإن نجاح هذه المبادرة النقدية رهينٌ بتفعيل آليات الرقابة اللاحقة لضمان عدم تسرب هذه السيولة نحو المضاربات التجارية أو الاستهلاك التفاخري، مما يتطلب من المصارف التحول من “مانح ائتمان” إلى “شريك إنتاجي” يراقب مسار التمويل من البذرة وحتى التصدير، مع ضرورة تبني سياسات تيسيرية تضمن وصول هذه المبالغ بهوامش مرابحة تشجيعية لا ترهق كاهل المنتج الصغير. إن تكامل هذه الآليات مع السقوف الجديدة سيخلق بيئة محفزة تخرج بالتمويل الأصغر من حيز “تطييب الخواطر” إلى فضاء “بناء الدولة” عبر تمكين القاعدة الإنتاجية العريضة التي تمثل العمود الفقري للاقتصاد الوطني المستقر والمستدام، وبما يحقق العدالة في توزيع الموارد لضمان تعافٍ شامل يلمس حياة المواطن السوداني بشكل مباشر ويضع البلاد على مسار النهضة الاقتصادية المنشودة.

Exit mobile version