د. أحمد عبد الباقي
شهد العالم قديماً وحديثاً العديد من الكوارث والحوادث العظام التي أصابت المجتمعات التي حلت بها في مقتل، وتركت ندوباً نفسية غائرة بسبب ويلات الحروب العالمية، وحوادث التطهير العرقي (رواندا والبوسنة والهرسك)، وجرائم الفصل العنصري السابق بجنوب إفريقيا، والحرب ضد الشعب الفلسطيني، وموجات التسونامي وضحايا الزلازل. تركت تلك الحوادث أثراً نفسياً خطيراً أثر سلباً في عضد تلك المجتمعات، وأثر على دولها واستقرارها ووحدتها بسبب التأثير النفسي على وعي المجتمع وهويته السياسية وأنماط السلوك الجماعي ورغم أن بعض هذه المجتمعات تعافي نسبيا بسبب عدة استجابات إلا الآثار ما زالت مستمرة، تكمن خطورة الصدمة النفسية الجماعية في أنها لا تحدث اضطراباً في البنية النفسية للأفراد فحسب، بل تتسرب إلى الذاكرة الجمعية للمجتمع وتعيد تشكيل الانتماء السياسي والهوية الوطنية. وأخطر ما في الأمر أن الصدمة النفسية الجماعية ربما تدفع المجتمع إلى الاعتدال أو التطرف أو المصالحة أو الانقسام، اعتماداً على طريقة إدارة المؤسسات السياسية والاجتماعية والدينية للاستجابة لتلك الصدمة، ومدى صلابة السلم المجتمعي وصموده.
تعرضت العديد من المجتمعات في العصر الحديث، خاصة بعد انتهاء الحرب الباردة، لآثار صدمة نفسية جماعية بسبب التغيرات الجيوسياسية، وتغير طبيعة الصراعات العسكرية، وظهور الفواعل من غير الدول (حركات التمرد وحروب الوكالة)، كما هو الحال في الحرب الراهنة التي يتعرض لها المجتمع السوداني، وما لها من انعكاسات اجتماعية خطيرة ستمتد آثارها للأجيال القادمة. ولأهمية هذا الأمر، تسلط هذه المساهمة الضوء على آثار الصدمة الجماعية للحرب التي تشنها قوات الدعم السريع ضد المجتمع السوداني وانعكاساتها الكارثية على مستقبل البلاد. تأتي هذه الصدمة تزامناً مع احتفاء العالم باليوم العالمي للصحة النفسية الذي يصادف العاشر من أكتوبر من كل عام، حيث درجت الأمم المتحدة على الاحتفاء به منذ عام 1992، ووضعت خطة مستقبلية للاعتناء بالصحة النفسية؛ إذ تلتزم الدول الأعضاء في منظمة الصحة العالمية بتنفيذ “خطة العمل الشاملة للصحة النفسية “2013-2030” التي تهدف لتحسين الصحة النفسية عبر رسم وتنفيذ خطط لتعزيزها. ومن المفارقات أنه بحلول عام 2020م، أظهر تقرير أداء البلدان -بما في ذلك السودان- أن الجهود المبذولة غير كافية لتنفيذ الخطة الموضوعة، ولا يزال العمل جارياً لتحقيق أفضل النتائج.
احتفى العالم باليوم العالمي للصحة النفسية لعام 2026م تحت شعار: “نسمع أصوات من عاشوا التجربة: أصوات حقيقية، تغيير حقيقي”. وتأسيساً على هذا الشعار، نريد أن نفكر سوياً نحن أفراد المجتمع بصوت عالٍ لسماع معاناة من يعانون من الصدمة النفسية الجماعية التي تسببت فيها جرائم القتل والاغتصاب والسرقة والاحتجاز القسري التي مارستها قوات الدعم السريع المتمردة ضد جميع فئات الشعب السوداني في كافة مناطق السودان التي هاجمتها دون تمييز. ستظل هذه الآثار النفسية ليست مجرد حدث تاريخي سنتذكره كل عام في تاريخ حدوثه، بل صدمة جماعية مؤلمة قد تمتد آثارها لأجيال قادمة، وستصبح تلك الحوادث بمثابة مأساة ثابتة في الذاكرة الجماعية للمجتمع السوداني؛ إذ ستتناول الأجيال اللاحقة تلك الصدمة بشكل متكرر ومستمر في محاولة لفهمها، بل تمتد آثار الصدمة الجماعية تلك حتى إلى الذين نزحوا داخل وخارج السودان لما يشاهدونه أو يسمعونه أو يقرؤونه -عبر وسائل الإعلام، خاصة وسائل التواصل الاجتماعي- عن الفظائع التي ارتكبت وأخرى قد تُرتكب فيما يستقبل من الأيام.
ما هي الصدمة النفسية الجماعية؟
الصدمة النفسية الجماعية هي حالة من الألم والانهيار النفسي العميق، تصيب جماعة بشرية بأكملها نتيجة لتعرضها لحدث جسيم أو مفاجئ يتسم بالعنف أو الفقد أو التهديد الوجودي، كالحروب والكوارث والمجازر والاحتلال أو الثورات الدموية. وهي لا تقاس فقط بحجم الضحايا أو الخسائر المادية، بل بمدى تأثيرها على الوعي الجمعي، وبقدرتها على تفكيك الإحساس بالأمان والمعنى والهوية لدى الجماعة المتضررة. وعرفها عالم النفس الأمريكي Kai Erikson بأنها: “تدمير أساسي للنسيج الاجتماعي الذي يربط الناس بعضهم ببعض، وإحداث تغيير في العلاقات الاجتماعية يضعف من إدراك الأفراد لهويتهم وجماعتهم ووضعهم في العالم”. بهذا المعنى تصبح الصدمة الجماعية تجربة مزدوجة: فهي نفسية من حيث الأثر الداخلي، لكنها اجتماعية من حيث الامتداد والمفاعيل. خلافا للصدمة الفردية، فإن الصدمة الجماعية ينجم عنها ما عُرف بـ “ذاكرة الصدمة”، وهي: “نوع من التمثل الاجتماعي يتحول إلى رواية مركزية في سرد الهوية الوطنية أو الطائفية، ويؤثر في السياسة والتعليم والإعلام والعلاقات بين الجماعات. ولهذا فإن المجتمعات المتضررة لا تسعى فقط إلى تجاوز الألم، بل إعطائه معنى داخل نظام رمزي أوسع، وهو ما يجعل الصدمة عاملاً مؤثراً في إنتاج الشرعية أو المطالبة بها” (الصدمة النفسية الجماعية وتأثيرها على التحولات السياسية في التاريخ الحديث: دراسة تحليلية، م.م. أحمد فران مشعان و م. د. حاتم أحمد عويد)
يتواصل….