يوميات عائد إلي الخرطوم  الحلقة الرابعة- العودة إلى سنار (٣)

بابكر إسماعيل

٢٩/ ٩ / ٢٠٢٦

ولما فصلت عير حافلتنا  جنوباً  بعد أن  تجاوزت  مدينة أربجي ارتفع  رغاء  ماكينتها وكأني بها تقول:

“إنّى لأجد ريح سنّار لولا أن تفندون ..” ..

ومررنا بتلك القرى الوادعة التي تتقاطر كالعقد المنضود في عنق الجزيرة الغراء  فمررنا  “بالعيكورة”  وهي موطن قيثارة السودان وفنان الإخوان الزين طه ..

وكأنّي بالزّين “الزّين” وقد احتضن العود ورفع عقيرته مترنماً  بلامية الشاعر والمفكر الإسلامي

“سيّد الخطيب”:

“يا أخاً قد سار في درب الفداء والنضالِ

اشدد الأصبع من حول اللواء  ولا تبالي

حبذا الموعود في دار البقاء من نوالِ “

شأننا أن نصدق القوم القتال لا هوادة

وظهور فوق أعناق الرجال أو شهادة

ذاك حسب المرء في حسن المآل والسعادة

والزين هو ذلك الصوفي الصناجة السوّاح عندما تراه في طرقات الخرطوم الجميلة العائدة الراشدة وهو يقود تاكسيه العتيق تتذكر قول الرسول صلي الله عليه وسلم:

“ربّ أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبرّه .. “

حيّ الله الزين طه وأخاه الدكتور أحمد الطيب طه (أحمد جوبا) وحيّ الله ميز أطباء الخرطوم في أيام الشباب الباكر حين كنا نلهو ونغترف العلم والخبرات من سلفنا الطبي الصالح ..

حيّ الله أيام الصبا وسقاها الغيم العميم.

ثمّ مررنا بود بلّال .. وما أدراك ما ود بلّال

التي تقف شاهدة على أن العزيمة والتضامن وقليل من الإيثار يمكن أن يغيروا حياة الناس في بلاد السمر ويحيلونها إلى جنات ودوح وقمحٍ ووعدٍ وتمنٍّ ..

أنشأ أهل ود بلال مشروعاً خيرياً اقتصادياً .. اقترضوا له مالاً من بنك الخرطوم واشتروا عجولاً وأبقاراً   تكاثرت وتناسلت فشربوا لبنها وباعوا لحومها ونمت صناعات ريفية من زبادي وأجبان وقشطة فملّكوا الأرامل والأيتام وسائل الإنتاج وكفوهم ذلّ السؤال ..

وقف على هذا المشروع أفذاذ من عباقرة ود بلّال  على رأسهم المرحوم اللواء بابكر على التوم الذي كان والياً على ولاية الخرطوم أيام المشير/ جعفر نميري غشت قبريهما  شآبيب الرحمة والرضوان ومنهم أستاذنا الطبيب المخبريُّ النطاسي الفهامة: عبد الرحيم بلّال والصديق الصدوق  الاقتصادي العبقري وأحد رموز رأسماليتنا الوطنية بالخليج: الفاضل عمر التوم وآخرون .

فآل ود بلال هم كما قال لبيد:

وَهُمُ رَبيعٌ لِلمُجاوِرِ فيهُمُ

وَالمُرمِلاتِ إِذا تَطاوَلَ عامُها

وَهُمُ السُعاةُ إِذا العَشيرَةُ أَفظِعَت

وَهُمُ فَوارِسُها وَهُم حُكّامُها

وَهُمُ العَشيرَةُ أَن يُبَطِّئَ حاسِدٌ

أَو أَن يَميلَ مَعَ العَدُوِّ لِئامُها

وَيُكَلِّلونَ إِذا الرِياحُ تَناوَحَت

خُلُجاً تُمَدُّ شَوارِعاً أَيتامُها

فتبدّلت حال القرية من حال إلى أحسن حال قريةّ ليس بها فقير أو مسكين ..

ونالت مزرعة ود بلال النموذجية للإنتاج الحيواني جوائز عالمية في تنمية الريف .. وكان يجب أن تكون نموذجاً يُحتذَى به  يحوّل قرى الجزيرة إلى مشاريع اقتصادية يغتني أصحابها من ريعها .. ولكن هيهات ذاك .. فعجز القادرين على الكمال منقصة لرجال الاقتصاد في وطن الجمال ..

وعندما طاف على الخرطوم طائف من شتات الجراد الصحراوي العطاوي من الجنجويد المجرمين لجأ الرعاة والسعاة في مفازات شرق النيل إلى ود بلّال فأوت زرائبهم 5,500 من الأبقار التي لاذ بها أصحابها هرباً من مليشيا اللصوص والشفشافين ..

وهذا أول لجوء بقري في العالم تنشد الأبقار ورعاتها  الأمن والأمان في ود بلّال ..

وعندما سقطت درة  السودان وجزيرته الخضراء في ذلك اليوم الديسمبري من عام 2023 في أيدي البغاة  هجم الوحوش على أبقار ود بلال المقيمة فيها  والمستجيرة بها .. فنهبوها وذبحوها وأكلوها ..

فمطعمهم حرام وملبسهم حرام وغُذّوا بالحرام فلعنة الله تغشاهم ما نبت  لحم من أبقار ود بلّال في جسومهم ..

ونعيد القول:

لابد من سنار وإن طال السفر ..

فسنار موعدنا يا باغونا ..

جئناك يا سنار بالجحفل الجرار

والوابل المدرار

نعدو لهم عدواً ..

يدفعنا الإيمان بالواحد الديان …

وتواصل حافلتنا سيرها الوئيد نحو صرة السودان ودرة الأكوان ورمانة الزمان .

مكوار …

إيهِ يا مكوار ..

↑
Exit mobile version