د. الهيثم الكندي يوسف
وردني عدد من التساؤلات والمغالطات حول مقالي السابق (نقد الدولة المصنوعة ومتاهة النخب) وامتداده المتعلق بالانتقال من (دولة الغنيمة إلى دولة القيمة عبر الجراحة البنيوية)، ولعل أبرز تلك التساؤلات تركز حول مفهوم (التهميش) حيث رماني البعض بالتحامل على المركز مستشهدين بأن الحكومات المتعاقبة لم تكن تملك أصلاً ما تمنحه، وأن المعاناة والشظف هما القاسم المشترك بين جميع أطراف السودان بما في ذلك الشمال الذي يراه البعض صاحب امتياز دون غيره. الشئ الذي استوجب قيامي بهذا التوضيح.
حين تحدثت عن التهميش فإنني لم أتحدث عن منطقة جغرافية دون غيرها إنما تحدثت عن منظومة حكم عجزت عن ملامسة تطلعات المواطن في الأطراف كافة. إن ما يعانيه إنسان الشمال من ضيق عيش وبيئة طاردة لا يقل قسوة عما يعانيه غيره. والحقيقة التي يجب أن تقال هي أن أي تحسن نسبي في مستوى المعيشة في بعض مناطق الشمال لم يكن من (المركز) بل كان بفضل الاغتراب المبكر الذي فرضته الجغرافيا القريبة من دول الجوار، وبفضل الجهد الذاتي للمواطنين الذين بنوا المدارس والمستشفيات من مالهم الخاص (جمعيات وروابط المناطق) وليست من ميزانية الدولة.
وهنا يمكن الإشارة إلى أن النخب التي حكمت السودان والتي كانت تنتمي الي الشمال لم تكن تمثل أشواق أهل الشمال، فقد كانت تمثل ثقافة المركز. هذه النخب استمدت شرعيتها من الأيدلوجيا (يساراً أو يميناً) وليس من تفويض انتمائها المناطقي. هذا يفسر لماذا ظلت قرى الشمال تفتقر لمياه الشرب النقية وخدمات الكهرباء لعقود وهي على ضفاف النيل. لقد دفع إنسان الشمال ضريبة الإمتياز الوهمية دون أن يذوق ثمار التنمية الحقيقية.
إن الشمال (رغم وجود نخبته في السلطة) يعاني من أعلى معدلات الهجرة الداخلية والخارجية (الاغتراب) مما يفسر قلة موارده الاقتصادية. وحتي عندما ظهر لديه مورد الذهب الذي استفاد منه سكان السودان قاطبة بما يعرف بالتعدين الأهلي، فيما لم ينل الشمال سوى تدمير البيئة والأمراض التي تسببها المواد المستخدمة في التعدين.
وهنا يمكنني الاقتباس من العرف المجتمعي السوداني، فالابن الأكبر في الأسرة (البكر) ينظر له إخوته الصغار بالمسيطر علي الموارد والمتحكم في القرار، في حين يكون قد ترك التعليم ليساعد والده في توفير حياة كريمة وفرص لتعليم إخوته الصغار التي حرم نفسه منها، هذا بالضبط هو حال الشمال مع متبقي أقاليم السودان.
إن عدم حمل أهل الشمال للسلاح لم يكن دليلاً على غياب التهميش، إنما كان تعبيرا عن صبرهم وتجلدهم الذي عرفوا به، ولمسالمتهم التي اشتهروا بها. مع استخدامهم لأدوات نضال مختلفة (ناعمة)، في حين استغلت نخب أخرى في أقاليم ثانية هذا التهميش كـ(قميص عثمان) للضغط على المركز وتحقيق أجندة شخصية، ليمارسوا (حين وصلوا للسلطة) ذات النهج الإقصائي الذي ثاروا ضده.
إن الروشتة البنيوية التي قدمتها في مقالي السابق، ليست لفئة أو لمنطقة معينة بل هي مشروع خلاص وطني يستفيد منه الجميع وكان أهم ما جاء فيها الاهتمام بالاقتصاد واستثمار الموارد، فحين يستفيد كل إقليم من موارده (نيل وذهب الشمال، ثروات الغرب، موانئ الشرق، زراعة الوسط) سننتقل من الصراع على (عطايا المركز) إلى (رحابة الإنتاج).
كما أوصت بإصلاح الدولة عبر توحيد الجيوش، إصلاح الخدمة المدنية، فدرالية حقيقية، وسيادة حكم القانون فهي الضمان للمواطنة المتساوية.
كما نادت بأهمية المصالحة والحقيقة فهي الجسر لرتق النسيج الاجتماعي وإزالة رواسب الحقد والغل التي زرعتها سنوات التجييش العرقي.
إن تحرير الوعي السوداني يبدأ من الاعتراف بأن التهميش هو العدو المشترك، وإن إنصاف أهل الشمال لا يكون عبر استعداء بقية الجهات، ولكن عبر بناء دولة المؤسسية التي لا تعامل المواطن بناء على قربه من القصر وإنما بناء على عطائه في الحقل والمصنع والمعمل.
إن حرب الكرامة هي نهاية عهد الابتزاز، فبلادنا اليوم تمر بمنعطف تاريخي يهدف لتمزيقها عبر الاستثمار في الاختلافات العرقية. إذاً فالمعركة التي يخوضها الشعب السوداني اليوم هي فرصة لإسكات الأصوات الانفصالية بالمنطق لا بالقوة. لقد انتهى العهد الذي يبتز فيه الوطن بحجج التهميش لتمرير أجندة عنصرية أو أيدلوجية.
إن هدفنا هو بناء دولة تليق بإنسانها، دولة تدار لصالح الجميع لا لمغنم النخبة. والوصفة التي طرحتها هي الطريق نحو مستقبل لا يشعر فيه ابن الشمال بالظلم، ولا ابن الغرب بالإقصاء، بل ينصهر الجميع في بوتقة المواطنة التي تجمها المؤسسات وليس النخب.