رأي

وجدي صالح في مصيدة الكلور

المُبر محمود

في عام 2003، حشد حزب البعث في السودان كل أدبياته ومنابره لمواجهة الاتهامات الأمريكية للعراق بامتلاك أسلحة دمار شامل. يومها، جاءت تصريحات قيادته لتصف تلك الادعاءات بالكذبة الإمبريالية التي تهدف لتفكيك الدولة، واعتبرت لجان التفتيش مجرد أدوات استخباراتية للتجسس وانتهاك السيادة الوطنية. أما اليوم، فيقف الحزب ذاته، مع تحالف “صمود” بقيادة عبد الله حمدوك، أمام ادعاء أمريكي متطابق يستهدف الجيش السوداني. غير أن القوم هذه المرة، وبلا أدنى حرج، ابتلعوا شعاراتهم القديمة دفعة واحدة، وسارعوا بانتهازية صريحة إلى تلقف رواية “قتلة صدام” والمطالبة العاجلة بلجان تقصٍ دولية. هكذا، وبمنتهى الخفة، تحولت الرواية الأمريكية التي كانت بالأمس ذريعة استعمارية لتدمير بغداد، إلى حجة سياسية مقبولة ومرحب بها اليوم لإدانة الخرطوم!

إن التفاعل الاحتفالي الذي أبدته المعارضة، ممثلة في تحالف “صمود” والقوى المتحالفة معه، مع الاتهامات الاستخباراتية الأمريكية، يكشف عن إضطراب مفاهيمي وخصومة سياسية افتقرت إلى الحد الأدنى من الشرف والموضوعية والرشد. فقد اندفعت هذه القوى خلف الادعاء دون أن تميز بين “الاتهام السياسي” الذي تصطنعه أجهزة الاستخبارات للضغط على الدول خدمة لمصالحها، وبين “الاتهام القانوني الفني” الذي تبنيه الجهات الدولية المختصة وفق أدلة مادية ملموسة. والأدهى أن قادة المعارضة، الذين يدّعون النزاهة الفكرية، منحوا واشنطن صك المرجعية الأخلاقية والقانونية، متجاهلين أنها الدولة الوحيدة التي استخدمت في حروبها أسلحة الدمار الشامل وكافة أنواع الأسلحة المحظورة، فضلاً عن سجلها الحافل بالبلطجة وتلفيق التهم وابتزاز الشعوب. وهو سجل يفرض على كل ذي عقل التريث والحذر أمام أي ادعاء يصدر منها، بدلاً من السقوط في فخ الاستغلال السياسي اللحظي؛ لأن من يفرط في أمانته الفكرية والأخلاقية وهو في صفوف المعارضة، لن ينتظر منه الناس صدقاً وهو على كراسي الحكم.

وبطبيعة الحال لا ينفصل الشق الاستخباراتي عن تلك التقارير الإخبارية الغربية التي سارعت إلى تسويق الاتهام الأمريكي وإعادة تدويره، في محاولة لخلع لبوس “الحقيقة الصحفية” على ادعاء سياسي لم يُحسم بعد. ولكن الطعن في مصداقية هذه التقارير والحملات الإعلامية الموازية ليس بالأمر العسير، ولا يتطلب أكثر من النظر في تاريخ الصحف التي تتصدر المشهد؛ إذ يكفي أن نسترجع الفضيحة التاريخية التي طالت هذه الصحف نفسها عقب غزو العراق لنفهم كيف يُسخر الإعلام كأداة لتضخيم الروايات الأمنية وترويجها. ففي مايو 2004، نشرت “نيويورك تايمز” اعترافاً رسمياً بعنوان “التايمز والعراق” أقرت فيه بأن تغطيتها لملف التسلح العراقي افتقرت إلى المهنية، واعتمدت بإفراط على منشقين مرتبطين بالمؤتمر الوطني العراقي المعارض دون التثبت من مصداقيتهم. وبعدها بأشهر، وتحديداً في أغسطس 2004، لحقت بها “واشنطن بوست” بمراجعة نقدية اعترفت فيها بنشر أكثر من 140 مادة صحفية على صفحتها الأولى تروج لامتلاك العراق أسلحة دمار شامل، وأن الصحيفة تعمدت تهميش الأصوات المشككة في الاتهام. تلك التقارير، التي راجت حينها كحقائق يقينية لتبرير تدمير دولة بأكملها، تبين لاحقاً أنها استندت إلى معلومات مسيسة ومصادر غير موثوقة، قبل أن يتراجع صناعها بعد فوات الأوان وسقوط بغداد. هذه الوقائع التحريرية المخزية كنا نأمل من المعارضة أن تضعها في الاعتبار، وتلجم كل من يهرول منها لاتخاذها سنداً ودليلاً لتصفية حساباته الضيقة.. ولكن، ماذا انت فاعل مع من يرى في الكذب نضالاً، وفي التغبيش على وعي الجماهير انتصاراً؟!

وبعيداً عن كل هذا الصخب الإعلامي، ولكي نحصن الوعي الشعبي من الشائعات والتضليل، لا بد أن نفهم كيف تعمل “منظمة حظر الأسلحة الكيميائية”؛ فهذه المنظمة، ومقرها لاهاي، والسودان طرفاً فيها، ليست محكمة تصدر أحكاماً بلمسة زر، ولا تتحرك بناءً على اتهامات سياسية أو تقارير صحفية. وكما أوضح مديرها العام فرناندو آرياس في نوفمبر 2025، فإن المنظمة تراقب الوضع عن كثب ولكنها لا تملك صلاحية فتح تحقيق من تلقاء نفسها، بل تبدأ الإجراءات دائماً بطلب توضيح تقدمه دولة لعضو آخر وتمنحها مهلة للرد، وهو تماماً ما فعلته بنين وتشاد وموريتانيا بدعم من غينيا بيساو حين طلبت توضيحات من الخرطوم في يوليو 2025. وفي حال لم تقتنع هذه الدول بالرد، يُرفع الأمر إلى “المجلس التنفيذي” للمنظمة لمناقشته والتصويت عليه، وبناءً على هذا التصويت فقط يملك المدير العام إصدار أمر بإرسال بعثة لتقصي الحقائق. وحتى لو وصلنا إلى هذه الخطوة الميدانية، فإن المنظمة تفصل تماماً بين مرحلتين. الأولى تكتفي بالتثبت من مجرد وقوع الاستخدام دون اتهام أي طرف، بينما تتطلب المرحلة الثانية إثبات هوية الفاعل بتفويض مستقل وأدلة قاطعة؛ فوجود آثار لمادة كيميائية في أرض المعركة لا يعني إطلاقاً أن الجيش هو من استخدمها، طالما أن هناك طرفاً آخر يقاتل في الميدان ويمكن أن يكون هو من استخدمها أو وضعها للتمويه. وكل هذا يثبت أن الاستباق السياسي الراهن للاتهام الأمريكي ليس سوى قفز مبكر على إجراءات دولية طويلة، ومحاولة لجر الآلة الاعلامية للدولة من خانة الهجوم إلى الدفاع.

ولعل حادثة مدينة “دوما” السورية عام 2018 هي النموذج الأوضح الذي يوضح كيف تسير هذه الإجراءات على أرض الواقع، وكم تستغرق من الوقت، وكيف يتم استغلالها إعلامياً للإرباك السياسي بعيداً عن حقيقتها القانونية. فعندما وقعت الحادثة في أبريل 2018، سارعت الميديا والجهات السياسية إلى إصدار الأحكام القاطعة، بينما أخذ المسار الإجرائي للمنظمة وقتاً طويلاً؛ إذ استغرقت “بعثة تقصي الحقائق” ما يقارب العام الكامل لمجرد إصدار تقريرها الأول في مارس 2019، والذي خلص بلغة حذرة إلى وجود “أسباب معقولة ترجح استخدام مادة كيميائية سامة حافلة بالكلور” دون توجيه الاتهام لأي طرف بحكم اختصاص البعثة المحدد. ولم تُحدد الجهة المسؤولة إلا بعد أربعة أعوام كاملة من ذلك، حين أصدر فريق التحقيق الدولي في 2023 تقريراً مفصلاً بالاسم والصفة يحمل القوات الجوية السورية المسؤولية المباشرة. ورغم هذا التحديد الصريح والدقيق للفاعل، لم تتخذ الأمم المتحدة أي إجراء أو عقاب دولي ضد دمشق؛ وذلك بسبب استخدام حق النقض (الفيتو) الروسي الذي شلّ مجلس الأمن، والانقسام السياسي الحاد بين الدول الكبرى، فضلاً عن تآكل الثقل السياسي للملف وتغيّر المعطيات الميدانية على الأرض طوال أعوام التحقيق الطويلة. وكل هذا يثبت أن ملفات الاتهام الكيميائي تُستغل في المقام الأول كقنبلة إعلامية وسلاح للضغط السياسي السريع، بينما يتوه المسار القانوني والدولي في دهاليز التوازنات والصراعات والإثباتات التي تستغرق سنوات طويلة وتنتهي غالباً بلا أي قرار حاسم.

تأسيساً على هذه الحقائق، فإن ما يثير القلق الآن ليس الاتهام الأمريكي في حد ذاته، ولا الاستثمار السياسي فيه من جانب المعارضة، ولا حتى ما شاع عن شركات خاصة قد تتولى إدارة حملات الضغط والتصعيد؛ وإنما ما يثير القلق بحق هو طريقة تعاطي الإعلام الحكومي مع الملف. فالدولة، في شقها المؤسسي المتمثل في قيادة الجيش ووزارة الخارجية، تعاملت حتى الآن بمسؤولية ومنهجية مع الادعاء الأمريكي، وأبدت استعداداً واضحاً للتعاون، حرصاً منها على بناء علاقة مستقرة وجيدة بين البلدين. ولكن الإعلام الحكومي، بحسب متابعتي، وقع في أخطاء استراتيجية قد تكلف الدولة الكثير. فالتوسع في نفي الاتهام قبل صدور موقف رسمي من الجهة القانونية المختصة، وإعادة إنتاج مصطلحاته في كل مادة إعلامية، لا يخدم بالضرورة الموقف الرسمي، بل قد يمنح الاتهام مساحة أوسع في المجال العام، ويجعل اسم السودان وجيشه يتكرر بصورة مستمرة إلى جوار مفردة “الكيماوي” في الأخبار ومحركات البحث والأرشيف الرقمي العالمي. وهذه مسألة لا ينبغي الاستهانة بها، لأن تراكم هذا المحتوى قد يصنع بيئة معلوماتية مسبقة حول القضية، وقد يلفت نظر جماعات الضغط، بل أحياناً قد يشكل انطباعات موظفي المنظمة الدولية مسبقاً في حال قررت فتح تحقيق ميداني. وقد أظهرت التجربة العراقية كيف يمكن للسجال الإعلامي الطويل حول اتهام ما أن يحول الاتهام إلى عنوان دائم في النقاش العام العالمي، حتى عندما يكون القصد هو نفيه. لذلك، فإن المطلوب ليس الصمت المطلق ولا التخلي عن حق الدولة في الدفاع عن موقفها، وإنما إدارة أكثر انضباطاً للملف، تتولى من خلالها خلية أزمة متخصصة تحديد ما ينبغي أن يقال ومتى وكيف، مع ترك التفاصيل الفنية والقانونية لأهل الاختصاص، والاستناد عند الضرورة إلى تفنيد موثق وهادئ، والتركيز على السياق السياسي للاتهام والجهات التي تقف خلفه، دون إعادة تدوير مصطلحاته أو منحها انتشاراً إضافياً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى