واشنطن وبكين بعد القمة: لماذا أصبح «عدم الاتفاق» نوعاً من النجاح؟
Mazin
انتهت زيارة شي جين بينغ إلى واشنطن من دون «صفقة كبرى»، لكن ذلك ربما يكون أحد أهم مفاتيح فهم العلاقة الأميركية–الصينية الجديدة. فالبلدان لم يعودا يبحثان فعلياً عن إعادة العلاقة إلى مرحلة الشراكة الاقتصادية التي ميزت العقود السابقة. المطلوب الآن أكثر تواضعاً وأكثر صعوبة في الوقت نفسه: إدارة المنافسة من دون تحويلها إلى مواجهة. أمضى ترامب وشي يوم الجمعة في استكمال الزيارة بجولة في الأرشيف الوطني بعد اجتماعات البيت الأبيض. وتقول رويترز إن الولايات المتحدة حصلت على تمديد للهدنة التجارية، لكنه قصير الأجل، فيما بقيت الملفات الرئيسية مفتوحة. من التجارة إلى القوة قبل عقدين، كان السؤال الرئيسي في العلاقات الصينية–الأميركية: كم ستشتري الصين من أميركا وكم ستستورد أميركا من الصين؟ اليوم تغير السؤال. المنافسة أصبحت حول من يملك التكنولوجيا التي سيقوم عليها الاقتصاد العالمي المقبل؟ ولهذا انتقلت المعركة إلى الرقائق المتقدمة والذكاء الاصطناعي والمعادن النادرة والبطاريات والطاقة ومراكز البيانات. التجارة أصبحت أداة في المنافسة الاستراتيجية وليست مجرد تبادل اقتصادي. الذكاء الاصطناعي في قلب الصراع لا يوجد ملف يوضح هذا التحول مثل AI. فالولايات المتحدة تتقدم في الرقائق والنماذج المتطورة، بينما تمتلك الصين قاعدة صناعية ضخمة وقدرة كبيرة على توسيع استخدام التكنولوجيا. وبالتالي فإن القيود الأميركية على تصدير الرقائق ليست مجرد سياسة تجارية؛ إنها محاولة لإبطاء قدرة الصين على بناء منظومة ذكاء اصطناعي تنافس الولايات المتحدة. في المقابل تستطيع الصين استخدام موقعها في سلاسل المعادن النادرة والبطاريات والصناعة للضغط على واشنطن. تايوان.. الخطر الذي لا تحله التجارة لكن هناك حدود لما تستطيع الصفقات الاقتصادية تحقيقه. تايوان تظل القضية التي يمكن أن تحول المنافسة إلى أزمة عسكرية. ولهذا فإن استمرار الحوار بين الرئيسين ليس أمراً بروتوكولياً. ففي علاقة بين قوتين نوويتين تمتلكان قوات بحرية وجوية تعمل في مناطق متقاربة، تصبح قنوات الاتصال جزءاً من منظومة منع الحرب. إيران تدخل الحسابات الجديد في القمة الحالية أن الحرب الأميركية–الإيرانية ومضيق هرمز أصبحت جزءاً من الحوار. الصين تعتمد على الطاقة القادمة من الخليج، وتملك علاقات اقتصادية مع إيران، ولذلك لديها مصلحة مباشرة في إعادة فتح المضيق واستقرار أسعار النفط. أما واشنطن فتحتاج إلى تعاون بكين، أو على الأقل عدم عرقلتها، في بعض ملفات الشرق الأوسط. وهنا تظهر المفارقة: الولايات المتحدة تعتبر الصين منافسها الاستراتيجي الأول، لكنها تحتاج إليها للمساعدة في إدارة النظام الدولي الذي يتنافسان على قيادته. «إدارة الخصومة» هذا هو المفهوم الذي يلخص القمة. ليس هناك تحالف، ولا عودة إلى العولمة القديمة، ولا نهاية للحرب التجارية. هناك محاولة لبناء نظام تستطيع فيه القوتان التنافس بشدة من دون قطع العلاقات بالكامل. ويبدو أن الطرفين أدركا أن فك الارتباط الكامل شبه مستحيل اقتصادياً، بينما الصدام المباشر كارثي عسكرياً. لذلك أصبحت الهدن التجارية والاجتماعات الرئاسية وقنوات الاتصال أدوات لإدارة المخاطر. لكن المشكلة أن كل اتفاق أصبح مؤقتاً. وحتى الهدنة التجارية التي خرجت بها القمة قصيرة، فيما قالت واشنطن إن التفاصيل ستظهر الاثنين. وهذا يعني أن الاقتصاد العالمي سيدخل مرحلة مختلفة: بدلاً من قواعد مستقرة لعقود، ستكون هناك هدن متتالية بين أكبر قوتين اقتصاديتين. وبالنسبة للدول النامية، يحمل ذلك فرصة ومخاطرة معاً. فالتنافس الأميركي–الصيني يمكن أن يفتح أبواب الاستثمار، لكنه يجبر الحكومات أيضاً على التعامل مع سلاسل إمداد وأسواق وتمويل أصبحت أكثر تسييساً. لهذا فإن أهم نتيجة لقمة واشنطن ليست اتفاقاً محدداً. إنها الاعتراف الضمني بأن الصراع الأميركي–الصيني لن ينتهي قريباً، وأن المهمة أصبحت منع هذا الصراع من تدمير النظام الاقتصادي الذي يحتاج إليه الطرفان معاً.