كشفت صحيفة “واشنطن بوست” الأميركية أنّ الجيش الأميركي فقد ما لا يقل عن 45 طائرة مسيرة من طراز “إم كيو-9 ريبر” خلال الحرب مع إيران، أي ما يقارب ربع أسطوله من هذه الطائرات قبل اندلاع المواجهة.
ونقلت الصحيفة عن ثلاثة مسؤولين أن طائرات “ريبر” استخدمت بكثافة خلال الحرب، خصوصًا في محيط مضيق هرمز، أحد أكثر مواقع المواجهة حساسية، فيما لم تكن جميع الخسائر ناجمة عن عمليات إسقاط إيرانية مباشرة.
خسائر الـ”ريبر والباتريوت”
وتحطّمت بعض الطائرات بعد انقطاع الاتصال بينها وبين مُشغّليها، إلى جانب خسائر مُرتبطة بأعطال وحوادث، ما يعني أنّ فقدان 45 طائرة لا يمثل بالضرورة العدد نفسه من عمليات الإسقاط بواسطة الدفاعات الإيرانية. وكان الجيش الأميركي يمتلك قبل الحرب نحو 185 طائرة “ريبر”، بينها 165 لدى سلاح الجو ونحو 20 لدى مشاة البحرية، ما يجعل الخسائر المسجلة تعادل نحو 25% من الأسطول المعروف.
وتعد “إم كيو-9 ريبر” منصّة للاستطلاع والمراقبة والهجوم، إلا أنّ سرعتها المنخفضة نسبيًا وطبيعة المهام التي تنفّذها يمكن أن تجعلاها عرضة لوسائل الدفاع الجوي والتشويش الإلكتروني. وتحمل الخسائر كلفة مالية كبيرة أيضًا، إذ تتراوح تكلفة الطائرة الواحدة، بحسب “واشنطن بوست”، بين 30 و50 مليون دولار، ما يعني أن قيمة 45 طائرة مفقودة تتجاوز 1.3 مليار دولار حتى عند احتساب الحد الأدنى للتكلفة.
ولا تقتصر مؤشرات الاستنزاف الأميركي على الطائرات المسيرة، إذ أفادت تقارير بأنّ نحو 65% من مخزون صواريخ “باتريوت” الأميركية استخدم منذ بداية الحرب، فيما بلغ استهلاك منظومة الدفاع الجوي “ثاد” نحو 38%، إضافة إلى إطلاق ما يقارب نصف مخزون البحرية الأميركية من صواريخ “توماهوك”. ودفعت هذه الأرقام وزارة الحرب الأميركية إلى مطالبة شركات الصناعات الدفاعية بتسريع إنتاج الأسلحة والإمدادات، ومنحت الشركات مهلة 21 يومًا لتقديم خطط تهدف إلى تقليص جداول التسليم وزيادة إنتاج القدرات العسكرية الحيوية.
استنزاف كبير
وفي قراءة لتداعيات هذه الخسائر، قال محلل الشؤون العسكرية والاستراتيجية في “التلفزيون العربي” اللواء محمد الصمادي إنّ خطورتها لا تكمن في فقدان 45 طائرة “ريبر” وحدها، وإنّما في تزامن ذلك مع الاستنزاف الكبير لمخزونات “باتريوت” و”ثاد” و”توماهوك”.
وأوضح الصمادي أن خسارة طائرات “ريبر” لا تعني فقدان طائرات مسيرة عادية فقط، بل خسارة منصات متكاملة للاستخبارات والاستطلاع والمراقبة والهجوم.
وأضاف أنّ هذه الطائرات تحمل مستشعرات ووسائل للحرب الإلكترونية والتجسس والاستطلاع، وتتيح مراقبة ساحة المعركة على مدار الساعة وتعقب الأهداف وتوفير المعلومات للقوات الجوية والصاروخية، فضلًا عن قدرتها على تنفيذ ضربات دقيقة.
وأشار إلى أن الولايات المتحدة سبق أن تكبدت خسائر في هذا النوع من الطائرات خلال المواجهات مع الحوثيين، فيما توسعت الخسائر في الحرب الحالية لتشمل عمليات إسقاط وتشويش وفقدان اتصال وأعطالًا وحوادث وتدمير طائرات على الأرض. وحول قدرة الصناعات الدفاعية الأميركية على تعويض النقص، رأى الصمادي أن مهلة الـ21 يومًا تتعلق بإعداد الخطط والجداول الزمنية وليس بتعويض المخزونات فعليًا، موضحًا أنّ زيادة الإنتاج على أرض الواقع تحتاج إلى فترة أطول قد تصل في بعض المنظومات إلى ما بين عام وثلاثة أعوام أو أكثر.
تحول في طبيعة الحروب
واعتبر أن حجم الاستهلاك في حرب محدودة جغرافيًا مثل الحرب مع إيران والمواجهة في مضيق هرمز ، يعكس تحولًا في طبيعة الحروب المعاصرة، إذ لم يعد امتلاك الأسلحة الأكثر تطورًا كافيًا من دون مخزونات كبيرة وخطوط إنتاج قادرة على تعويض الخسائر بسرعة. وقال الصمادي إنّ الحرب تحولت إلى “اختبار لقدرة الولايات المتحدة على الاستدامة”، مشيرًا إلى أنّ القوة العسكرية لا تقاس فقط بعدد الطائرات والصواريخ المتاحة عند بداية الحرب، بل بالقدرة على الاستهلاك والتعويض والإنتاج وإعادة توزيع المخزون والمحافظة على الجاهزية.
واعتبر أن العامل الأكثر أهمية يتمثل في الفجوة بين معدل استهلاك الأسلحة والذخائر ومعدل تعويضها، محذرًا من أن استمرار الاستهلاك بوتيرة أسرع من الإنتاج يمكن أن يحول الحرب تدريجيًا من مواجهة تقوم على التفوق التكنولوجي إلى “حرب استنزاف صناعي ولوجستي”.
وقد تنعكس الضغوط على المخزونات الأميركية على المساعدات العسكرية المقدمة إلى أوكرانيا، خصوصًا صواريخ “باتريوت”، إذ رجّح الصمادي ألا تتوقف الإمدادات بالكامل، لكن وتيرتها والكميات المتاحة لكييف قد تنخفض.
وأشار إلى أن واشنطن ستجد نفسها أمام موازنة بين إعادة ملء ترسانتها، وتلبية عقود شراء أبرمتها دول أخرى بمئات مليارات الدولارات، والاستمرار في دعم أوكرانيا، في وقت باتت فيه قدرة الصناعة الدفاعية على مجاراة معدل الاستهلاك إحدى أبرز تحديات استمرار الحرب.