هل يقف المال عائقًا أمام السلام الأفريقي؟ السياسات المالية، فجوة التمويل، وإعادة الإعمار في السودان
Mazin
احمد بن عمر
يتحرك سؤال (المال والسلام) في أفريقيا داخل موجة ضغط مالي دولية تتداخل فيها الحروب وتغيرات المناخ وتكاليف الهجرة مع إعادة ترتيب أولويات المانحين، منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وثّقت تراجع المساعدة الإنمائية الرسمية خلال 2024، وقدمت نطاقًا توقعيًا لانخفاض إضافي في 2025، مع تقديرات تشير إلى تأثر أفريقيا جنوب الصحراء بدرجات تفوق المتوسط العالمي، في المنظومة الإنسانية، أعلن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية خفض النداء العالمي لعام 2026 إلى 33 مليار دولار بعد انكماش مساهمات مانحين رئيسيين، مع توصيف مستوى تمويل 2025 بأنه الأدنى خلال عقد، هذا السياق يعيد تعريف العلاقة بين تدفقات الموارد الدولية وبين قدرة القارة على تثبيت مسارات السلام.
في المقابل، تتسع (مساحة الحاجة) في مناطق نزاع تمتد من القرن الأفريقي إلى البحيرات الكبرى والجنوب، حيث تتراكم كلفة النزوح والدمار على ميزانيات دول تعاني أصلًا من هشاشة اقتصادية، بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تُظهر أن شرق وجنوب أفريقيا استضاف بحلول سبتمبر 2025 نحو 25.1 مليون شخص في وضع نزوح قسري، بينهم 6،3 ملايين لاجئ وطالب لجوء و18.1 مليون نازح داخلي، وعلى مستوى إقليم الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيغاد)، يشير تقرير إقليمي إلى نحو 22.3 مليون شخص في حالة نزوح قسري بحلول يوليو 2025 داخل ست دول، بينهم 16.9 مليون نازح داخلي و5.4 ملايين لاجئ وطالب لجوء، هذه الأرقام تعني أن السلام يتحرك داخل بيئة إنفاق اجتماعي ضخم يتطلب موارد متكررة وقابلة للتنبؤ.
داخل هذا المشهد، يظهر الاتحاد الأفريقي باعتباره لاعبًا سياسيًا وماليًا عبر أدوات مثل صندوق السلام، وثائق الاتحاد تربط الصندوق بقرار 2016 القاضي بتمويله من خلال رسم استيراد بنسبة 0.2% على الواردات المؤهلة لتعزيز التمويل المستدام، قراءات بحثية حديثة تشير إلى تفاوت في تطبيق الرسم بين الدول الأعضاء، ما يجعل الاستدامة مرتبطة بالبنية الضريبية الوطنية وقدرات التحصيل، تعهد البنك الأفريقي للتصدير والاستيراد (أفريكسيمبانك) بتقديم 210 ملايين دولار على ثلاث سنوات، وارتفعت الموارد المعلنة للصندوق في فعالية جمع التمويل إلى نحو 610 ملايين دولار وفق تحليلات بحثية، في اتجاه يعكس توسيع مصادر التمويل داخل القارة مع بقاء كلفة العمليات الميدانية أعلى بكثير من المتاح سنويًا.
التجربة الصومالية توضح تداخل التمويل مع السياسة الدولية، بعثة بعثة الاتحاد الأفريقي للدعم والاستقرار في الصومال (AUSSOM) أصبحت نافذة في 1 يناير 2025 ضمن انتقال إلى هيكل يسعى إلى تمويل أكثر قابلية للتنبؤ، ومع تمديد التفويض حتى نهاية 2026، يوفر مكتب الأمم المتحدة للدعم في الصومال دعمًا لوجستيًا للبعثة ضمن ترتيبات تشمل صندوقًا ائتمانيًا طوعيًا تكميليًا، في الخلفية يقف قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2719 الصادر في ديسمبر 2023، الذي أتاح إطارًا يسمح على أساس كل حالة بتمويل عمليات يقودها الاتحاد الأفريقي عبر الاشتراكات المقررة بنسبة قد تصل إلى 75% من التكلفة، تطبيق الإطار ارتبط بنقاشات حول الحوكمة والالتزام بمعايير القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان وسياسات تقاسم الأعباء.
في جنوب السودان، ترتبط ترتيبات ما بعد التوقيع بكلفة تنفيذية تتصل بإصلاح القطاع الأمني والتحضير لانتخابات مقررة في ديسمبر 2026، تقرير للأمين العام للأمم المتحدة في فبراير 2026 أشار إلى غياب تمويل مخصص لإجراء الانتخابات وغياب قرارات حاسمة حول تفاصيلها، تقارير محلية في فبراير 2026 تحدثت عن اقتراح زيادة مخصصات المفوضية الانتخابية ضمن مشروع موازنة 2025/2026 لدعم الاستعدادات التنظيمية، الفجوة بين الكلفة المطلوبة والاعتماد المتاح تتحول عادة إلى مساحة تأجيلات إجرائية تؤثر في ثقة الجمهور بجدول الاستحقاقات.
في إثيوبيا، يقدم اتفاق بريتوريا (نوفمبر 2022) نموذجًا لسلام يفتح ملفات مكلفة: نزع سلاح، إعادة دمج، تسويات إدارية، وعدالة انتقالية، تحليلات في فبراير 2026 وصفت الاتفاق بأنه أوقف القتال الواسع وترك خطوط توتر حول ترتيبات الأرض والسلطة، ما يجعل التنفيذ ساحة اختبار، على الهامش الاقتصادي-الإنساني، أشار تقرير إخباري في 2025 إلى توجه نحو فرض ضريبة جديدة لتغطية فجوات تمويل مشاريع كانت تعتمد على جهة مانحة كبرى، وفي أبريل 2025 ارتبط تعليق برامج علاج سوء التغذية بعجز تمويلي لدى برنامج الأغذية العالمي، بما يعكس انتقال أثر التمويل من الاستجابة الإنسانية إلى الاستقرار السياسي عبر الخدمات الأساسية.
التمويل الإنساني يعمل كعامل استقرار يومي، في الصومال، أفادت بيانات منشورة في 24 فبراير 2026 أن 6.5 ملايين شخص يواجهون جوعًا حادًا بسبب الجفاف، وأن برنامج الأغذية العالمي خفّض نطاق المساعدة من 2.2 مليون إلى نحو 600 ألف بسبب العجز المالي، في جمهورية الكونغو الديمقراطية، حذّر تحديث تمويلي في نوفمبر 2025 من احتمال تعليق مساعدات غذائية في الشرق بحلول فبراير 2026 إذا استمر التمويل عند مستوى منخفض قياسي مقارنة بالاحتياج.
السودان أزمات تحتاج الي تخطيط
أزمة السودان تضيف بعدًا إقليميًا للمعادلة، صفحة طوارئ السودان لدى المفوضية تشير إلى متطلبات لعام 2025 تقارب 1.109 مليار دولار مع تغطية في حدود 39%، ووثيقة خطة الاستجابة الإقليمية للاجئين لعام 2026 تقدّر الاحتياجات بنحو 1.6 مليار دولار، التمويل الإنساني في هذا السياق يمثل عنصر تهدئة يومي يخفف الضغوط على المدن والمخيمات ويحد من الاحتكاك حول الخدمات.
في الحالة السودانية، تمثل مرحلة إعادة التشغيل إحدى أهم المراحل لضمان استدامة السلام، إذ تركز على إعادة تفعيل الحد الأدنى من وظائف الدولة والاقتصاد فور توقف القتال عبر تقييم الأضرار، وتشغيل المرافق الحيوية، وتحريك الدورة الاقتصادية الأساسية، هذه المرحلة أقل كلفة من إعادة الإعمار الشامل، لكنها ذات أثر مباشر في استعادة الثقة العامة وتقليل احتمالات الارتداد إلى العنف، فالبقاء في حالة استقرار يتطلب تمويلاً منظماً يضمن استمرار الخدمات ودفع الرواتب وتأمين الغذاء والطاقة (و هنا قيمة استدامة السلام) ، كما أن إعادة التشغيل تمثل مساراً مالياً استراتيجياً يتجاوز الإغاثة العاجلة نحو إعادة تأهيل البنية التحتية الأساسية وشبكات الكهرباء والمياه ودعم سلاسل الإنتاج الزراعي والصناعي، ويمكن أن يستند إطارها المالي إلى صندوق وطني ذي حوكمة مستقلة، مع تخصيص جزء من عوائد الموارد الطبيعية، وتفعيل شراكات مع البنوك الإقليمية، وإصدار أدوات تمويل موجهة للجاليات في الخارج، بحيث يرتبط الإنفاق الرأسمالي بخلق وظائف واستعادة النشاط الإنتاجي بما يعزز الأثر الاقتصادي ويخفض كلفة الهشاشة الاجتماعية التي لها تأثير مباشر علي اندلاع الحروب.
رسم سياسات مالية داعمة لاستدامة السلام
رسم سياسات مالية داعمة لاستدامة السلام في أفريقيا يمر عبر توسيع القاعدة الضريبية، وتحسين كفاءة التحصيل، وتخصيص نسب واضحة من الموازنات لبرامج الاستقرار، وتطوير أدوات تمويل مبتكرة مثل السندات التنموية والصناديق المختلطة، وتعزيز دور المؤسسات المالية الإقليمية في تقاسم المخاطر، متوسط نسبة الإيرادات الضريبية إلى الناتج المحلي في أفريقيا جنوب الصحراء يدور حول 15% وفق بيانات دولية، ما يفتح مجالًا لتحسين الحيز المالي عبر إصلاح الإدارة الضريبية ودمج الاقتصاد غير الرسمي، توجيه جزء من عوائد الموارد الطبيعية إلى صناديق استقرار سيادية يربط إدارة الموارد ببناء السلام.
العلاقة بين المال والسلام في القارة تأخذ طابعًا بنيويًا؛ تدفق الموارد يحدد سرعة الانتقال من وقف إطلاق النار إلى بناء المؤسسات، ويؤثر في قدرة بعثات السلام على الاستمرار، ويشكل قدرة الفاعلين الإنسانيين على منع الانزلاق الاجتماعي الذي يغذي الصراع، إعادة تصميم هيكل تمويل السلم والأمن أفريقيًا ترتبط بمواءمة السياسات المالية الوطنية مع الأطر القارية، وبناء قدرة تخطيط متعددة السنوات توازن بين السيادة المالية ومتطلبات الاستقرار الإقليمي.