مهند عوض محمود
الندوة التي أقامها المجلس المصري للتعاون الدولي ومجلس الأعمال المصري الكندي، يوم الثلاثاء الموافق 13 أكتوبر 2026، بفندق هيلتون كايرو جراند نايل «جراند نايل تاور»، بعنوان «الصناعة المصرية بين تحديات اليوم وفرص المستقبل»، واستضافت وزير الصناعة المصري، المهندس خالد هاشم، أعادتني إلى سؤال سوداني ملحّ: ماذا تغيّر في تفكيرنا الاقتصادي بعدما كشفت الحرب خطورة تركيز الإنتاج في الخرطوم؟
وبصفتي عضوًا بالمجلس في لجنة العلاقات الخارجية (ERC)، تابعت عرض الوزير والنقاش الذي أعقبه مع الصناعيين والمستثمرين وأصحاب العمل وأعضاء مجلسي النواب والشيوخ والإعلاميين والدبلوماسيين. كنت أستمع إلى التجربة المصرية، وأفكر فيما يمكن أن نستفيد منه لإعادة بناء بلدنا.
وكانت الندوة نفسها أول الدروس: وزير يعرض توجهات وزارته، وأصحاب أعمال يناقشونه ويعترضون ويسألون عن الأراضي والتراخيص والحوافز والتكنولوجيا. يشرح اختياراته، ويسمع ممن ستتأثر استثماراتهم بها.
هذه إحدى وسائل الدولة لمعرفة اقتصادها. فصاحب المصنع يعرف تكلفة الإجراء حين يتحول إلى تعطيل، والمستثمر يعرف لماذا يتردد رأس المال، والمصدّر يعرف حدود السعر الذي يقبله المشتري. واستبعاد هذه المعرفة من إعداد القرار يضاعف احتمالات الخطأ.
أما في السودان، فيُستبعد القطاع الخاص من صياغة كثير من السياسات، ثم يُنتظر منه أن يستثمر وينتج ويصدّر وفق ترتيبات لم يُستمع إليه عند إعدادها. وبعض مؤسساتنا تنفق في الدفاع عن قراراتها وقتًا أطول مما كان سيستغرقه التشاور بشأنها!
ومن أهم الأفكار التي طرحها الوزير نموذج الامتياز الصناعي «Industrial Franchise»: أن يدخل مستثمر في الصعيد، أو من أبناء البلد بالخارج، في شراكة مع مصنع قائم في القاهرة أو الإسكندرية، على سبيل المثال؛ يقدّم المصنع المعرفة الفنية والعلامة التجارية ومعايير التشغيل والجودة، ويموّل المستثمر الآلات وأدوات الإنتاج لإنشاء وحدة تصنيع في الصعيد أو غيره من المناطق، مستندًا إلى خبرة مجرّبة ومنتج معروف.
توقفت عند هذه الفكرة؛ لأنها تجمع بين من يعرف كيف ينتج، ومن يستطيع الاستثمار ويحتاج إلى خبرة ومنتج وسوق. وتتيح توزيع الصناعة جغرافيًا دون مطالبة كل مستثمر بإعادة اختراعها.
وهذا باب واسع أمام السودان. لدينا أصحاب مصانع يمتلكون المعرفة والعلامات والعلاقات التجارية، ولدينا سودانيون بالخارج يبحثون عن فرص واضحة لاستثماراتهم، فلماذا لا تجمعهم شراكات لإنشاء وحدات إنتاج في الولايات، بعقود تضبط التدريب والجودة والتسويق وحقوق كل طرف؟
يستطيع صاحب المصنع توسيع نشاطه عبر شركاء، ويبدأ المستثمر على أساس معلوم، وتستفيد الولاية من وظائف وإنتاج وخدمات. أما أن نطلب من المستثمر تعلّم التصنيع وتطوير المنتج وبناء العلامة وفتح السوق وحده، فنحن نرفع تكلفة دخوله قبل أن ينتج أول سلعة.
لقد كشفت الحرب ما يعنيه أن تتركز قدرة صناعية كبيرة في الخرطوم. حين توقفت المصانع، امتد الأثر إلى احتياجات الناس اليومية في أنحاء البلاد. شُحنت مياه الشرب وصابون الغسيل وزيوت الطعام من مصر، وجاءت المشروبات الغازية من جدة ومن إثيوبيا. كان الطلب السوداني قائمًا، وكانت خبرة التصنيع موجودة، لكن الوصول إلى جزء كبير من وسائل الإنتاج أصبح متعذرًا.
لم يكن السودان يفتقد معرفة صناعة الصابون أو تعبئة المياه. كانت المشكلة أن إنتاج سلع كثيرة ارتبط بأمن واستقرار منطقة واحدة. وحين اشتعلت الحرب فيها، تحمّل المستهلك في الولايات الأخرى تكلفة هذا التركيز.
هذه شهادة على خلل استراتيجي، ينبغي أن تُقرأ قبل اعتماد أولويات الإعمار. فهل انعكس الدرس على تصوراتنا؟ هل لدينا توجه معلن يجعل إنشاء مصنع في الولايات أكثر جاذبية؟ وهل أصبح تعدد مراكز الإنتاج واستمرار الإمداد جزءًا من حسابات الاستثمار، أم أن غاية الطموح هو إعادة كل شيء إلى حيث كان؟
من مصلحة السودان أن تستعيد الخرطوم نشاطها، ومن حق أصحاب المنشآت إعادة تشغيلها فيها. لكن مسؤولية الدولة تشمل جعل التصنيع في الولايات خيارًا مجديًا أيضًا. فإذا كانت الكهرباء والطرق والخدمات اللازمة للإنتاج أكثر توافرًا في العاصمة، بينما يُطلب من المستثمر في الولايات توفيرها على نفقته، فمن الطبيعي أن يختار العاصمة. لذلك تحتاج الولايات إلى استثمارات في البنية الأساسية وحوافز تعوّض ارتفاع تكلفة إنشاء المشروعات وتشغيلها؛ وإلا أعدنا إنتاج التركيز الذي نشكو منه.
إذا عادت المصانع إلى مواقعها وبقي تركيز الإنتاج على حاله، نكون كمن فسّر الماء بعد الجهد بالماء؛ لقد كشفت الحرب خطورة التركيز، فإذا جاءت سياسات الإعمار لتكرّسه، فأين أثر التجربة في قراراتنا؟
توزيع الصناعة يحتاج إلى قرارات تظهر آثارها في حسابات المشروع: أرض مخدّمة، وطاقة موثوقة، وربط بالأسواق، وتمويل يناسب النشاط، وحوافز تُمنح مقابل إنتاج وتوظيف وتدريب. فدعوة المستثمر إلى الولايات، مع تركه يتحمل وحده تكلفة غياب الخدمات، تصلح خطابًا في مؤتمر، لكنها لا تصلح أساسًا لدراسة جدوى.
وتُختار المواقع وفق الخامات والمياه والطاقة والعمالة والطلب وتكلفة النقل. يمكن للصناعات الغذائية أن تنمو قرب مناطق الإنتاج الزراعي والحيواني، وللتعبئة والصيانة ومواد البناء أن تتوسع حيث تتوافر احتياجاتها وأسواقها. ولكل ولاية فرص ينبغي دراستها، بدل توزيع مشروعات لإرضاء التوازنات، ثم تركها بلا مقومات للاستمرار.
ويستطيع الامتياز الصناعي تخفيف بعض صعوبات التوسع، بما ينقله من خبرة وإجراءات تشغيل ورقابة على الجودة. ويحتاج إلى عقود محكمة وشركاء مؤهلين وفرق محلية مدرّبة. فلا معنى لتوزيع الآلات جغرافيًا إذا ظلت القدرة على تشغيلها وصيانتها محصورة في العاصمة.
وتكتمل الفكرة بما تناوله الوزير عن الصناعات المغذية وتطوير الموردين. فالمصنع يحتاج إلى نقل وتعبئة وصيانة ومكونات وخدمات، ويمكن أن تنشأ حوله مشروعات أخرى. وبذلك يصبح الاستثمار مدخلًا لتوسيع اقتصاد المنطقة، وتتاح فرص لمن لا يملكون رأس المال اللازم لإنشاء مصنع كبير.
وعقود الإعمار فرصة مباشرة لبناء هذه الروابط. قبل طرح عقد لمستشفى أو محطة مياه أو كهرباء أو مشروع سكني، ينبغي معرفة ما تستطيع الشركات والورش السودانية توفيره، وما تحتاج إليه لبلوغ المواصفات، ثم إتاحة فرص تأهيل وتعاقد حقيقية لها، مع الالتزام بالجودة والتكلفة والمواعيد.
والكهرباء تحديدًا مشروع حيوي يتوقف عليه تشغيل بقية القطاعات، ومع ذلك لم نرَ طرحًا واضحًا يتيح للقطاع الخاص المشاركة في إعادة تأهيلها، ولا عطاءات معلنة للتوريد أو الصيانة. فمن يتولى هذه الأعمال؟ وبأي آليات تُختار الجهات المنفذة؟ ولماذا لا تُفتح المنافسة أمام الشركات المؤهلة، وفق شروط معلنة تضمن الجودة والتكلفة المناسبة وسرعة الإنجاز؟
إذا أُنجزت المشروعات بمدخلات وخدمات مستوردة بالكامل، فقد نحصل على المباني ونفوّت فرصة بناء الموردين. وستأتي حاجتنا التالية، فنعود إلى الاستيراد كأن الإنفاق السابق لم يترك وراءه قدرة إنتاجية.
لهذا ينبغي أن يدخل نقل المعرفة في صلب الشراكات: من سيتدرب؟ وعلى ماذا؟ وكيف نتحقق من قدرته على التشغيل والصيانة؟ فالمعدة التي لا نملك مهارات إدارتها تبقينا معتمدين على غيرنا مهما كانت ملكيتها سودانية.
ويحتاج ذلك إلى خريطة واضحة للمنشآت والطاقات والمهارات والفرص في الولايات. قد تستطيع ورشة تلبية طلب عاجل إذا حصلت على معدّة، وقد يتمكن مصنع من التوسع عبر شريك. لكن الفرص تضيع حين تكون المعلومات مشتتة، ويُطلب من كل مستثمر اكتشاف البلد من جديد.
أما نحن السودانيين بالخارج، فمن واجبنا نقل ما نتعلمه، وربط الخبرات برأس المال، وفتح أبواب للشراكات والتكنولوجيا والأسواق. لا يكفي أن نشاهد تجارب الآخرين ثم نحصر علاقتنا ببلدنا في التعليق على إخفاقاته. علينا تقديم مقترحات مدروسة، والسعي إلى تحويلها إلى مشروعات.
وفي المقابل، تحتاج الدولة إلى مسار واضح يستقبل هذه المبادرات ويفحص جدواها ويتابع تنفيذ المقبول منها. فالترحيب بأصحاب المبادرات يكتسب معناه حين يجدون من يناقش مقترحاتهم، ويوضح متطلبات تنفيذها، ويبلغهم بقرار محدد. أما دعوتهم إلى المساهمة ثم ترك مقترحاتهم بلا إجابة، فتبدّد الثقة وتغلق بابًا نحتاج إلى فتحه.
ما عُرض في الندوة المصرية يستحق أن ندرسه بوصفه أدوات يمكن تكييفها مع ظروفنا: شراكات تنقل الخبرة، وحوافز توسّع جغرافيا الإنتاج، وموردون محليون يتطورون مع المشروعات، وحوار بين الحكومة ومن سيستثمرون وينفذون.
ويمكن أن تبدأ الاستفادة ببرنامج تجريبي للامتياز الصناعي في ولايات تُختار وفق جاهزيتها وجدوى أنشطتها، يجمع أصحاب المصانع والمستثمرين السودانيين بالخارج، بحوافز معلنة ونتائج قابلة للقياس. تجربة محددة نتعلم من تنفيذها، ثم نوسّع ما ينجح منها.
فكل مشروع يُعتمد اليوم يسهم في تثبيت خريطة الاقتصاد لسنوات مقبلة. وإذا غاب التفكير الاستراتيجي عند توزيع الاستثمارات، فلن تعالجه لاحقًا كثرة الدعوات إلى التنمية في الولايات.
لقد عرفنا تكلفة تركيز الإنتاج في الخرطوم. فإذا أعدنا التركيز نفسه، فلن يكون عذرنا هذه المرة أننا لم نكن نعرف.