رأي

هارون قال… نحن في حالة حرب!

محمد التجاني عمر قش
تابعت، كغيري، ذلك اللقاء الذي أجراه الإعلامي ربعي سراج مع مولانا أحمد هارون، وقد أجمع كثيرون على أن هارون تناول قضايا الوطن والهم العام بقدر كبير من الوضوح والصراحة، وقدم رؤية اتسمت بالشفافية، عبّر فيها عن موقف مبدئي مفاده أن معظم القوى الفاعلة في الساحة السودانية تقف صفاً واحداً خلف قواتنا المسلحة والقوات المساندة لها، دفاعاً عن العقيدة والوطن، باعتبار أن البلاد تتعرض لما يشبه الغزو، الذي وُظّفت لتنفيذه قوة غاشمة لا يمكن التعايش معها، نظراً إلى أنها انتُدبت لإنفاذ مخطط صهيوأمريكي يهدف، في المقام الأول، إلى تمزيق التراب السوداني وضرب نسيجه الاجتماعي، حتى يصبح لقمة سائغة تنقض عليها الجهات المعادية للأمة متى شاءت.
انطلق هارون في حديثه من تجربة واعية ونظرة واقعية لمآلات الأمور في البلاد، ويكاد يكون قد سخّر معظم قدراته لمساندة الحكومة السودانية والقوات المسلحة، دون أن يتعرض لهما بشيء من النقد أو الانتقاص من قدرتهما، باستثناء ما يتعلق بمعاش الناس، وهو أمر ماثل للعيان؛ فقد بلغ تردي الأحوال المعيشية درجة غير مسبوقة من السوء.
ولو أن القائمين على الأمر يبحثون عن خارطة طريق ومخرج من ورطة السودان ووهدته، لاتخذوا من حديث هارون ورقة عمل تُطرح من خلالها حلول عملية لكثير من مشكلات البلاد. فقد تحدث مولانا عن نظام الحكم، ورأى أن السودان لا يصلح له غير النظام الفدرالي، كما تناول الإطار المفاهيمي الذي يمكن أن تتوافق عليه الكتل السياسية. وفي الوقت ذاته، أبدى رأيه في عدم إبعاد الجيش عن المشهد السياسي، شريطة إجراء استفتاء لاختيار الشخصية العسكرية المناسبة لقيادة دفة الحكم، حتى يشعر المواطن بأنه شريك في اختيار من يتولى قيادة البلاد. كذلك أشار مولانا هارون إلى إمكانية إجراء الانتخابات على أساس التمثيل النسبي، بدلاً من الانتخاب الحر المباشر، ضماناً لمشاركة الجميع في مؤسسات الحكم والهيئات التشريعية.
وهذا طرح عقلاني جدير بالنقاش، ومن شأنه أن يسهم في تجسير الهوة بين الكيانات المتعددة في بلد يسوده التنوع الإثني والثقافي، وليس أمامه من مخرج من دوامة الصراعات والجراح المتراكمة سوى البحث عن رؤية وطنية جامعة، كالتي طرحها مولانا أحمد هارون.
عموماً، كان لقاء ربعي سراج مع مولانا هارون بمثابة الحجر الذي حرّك بركة ساكنة، وكان من باب أولى أن يفتح هذا اللقاء الباب على مصراعيه أمام نقاش مثمر، في وقت يتطلع فيه الشعب السوداني إلى حوار سوداني–سوداني يُنتظر أن يفضي إلى مخرج وطني، يشارك في صياغته أهل الدار، على اختلاف مشاربهم وتوجهاتهم. ولكن يبدو أن الشعارات المرفوعة في بلادنا لا تزال تضيق بالرأي الآخر، ولا تحتمل وجهات النظر التي لا ترضي بعض الأطراف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى