رأي

نحو سودان جديد: رؤى في بناء الدولة التنموية والاقتصاد المنتج (1)

نعمان يوسف محمد

لم تعد مرحلة ما بعد الحرب في السودان تحتمل إعادة إنتاج الأسئلة القديمة أو استنساخ الأدوات التي أثبتت محدوديتها. فالتحدي الحقيقي لا يتمثل في إعادة تشغيل ما توقف، ولا في ترميم ما تهدم فحسب، وإنما في إعادة تصميم النموذج الاقتصادي والمؤسسي الذي ستقوم عليه الدولة خلال العقود القادمة.

إن التعافي ليس عودة إلى نقطة البداية، بل انتقال واعٍ إلى مرحلة جديدة أكثر قدرة على الصمود والإنتاج والتنافسية. ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن نفعله هو أن ننشغل بإصلاح الهياكل المتصدعة، بينما تبقى الفلسفة التي أنشأتها كما هي، دون مراجعة أو تطوير.

وفي هذا السياق، فإن الجدل الذي صاحب منح وإلغاء ما عرف بتراخيص “المحول القومي” لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد خلاف إداري أو تنافس بين شركات، بل بوصفه مؤشراً على تحدٍ أعمق يتعلق بطريقة إدارة الاقتصاد السوداني نفسه. فحين يتحول الاهتمام العام إلى من يمتلك الترخيص، بينما يغيب السؤال عن القيمة الاقتصادية التي سيولدها هذا الترخيص، فإننا نكون ما زلنا ندور داخل عقلية اقتصاد الريع، لا اقتصاد التنمية.

إن الاقتصادات الحديثة لا تقاس بعدد التراخيص التي تمنحها الحكومات، وإنما بقدرتها على بناء منظومات إنتاجية متكاملة تتدفق فيها المعلومات والتمويل والخدمات والسلع بكفاءة وشفافية. فالقيمة الحقيقية لا تنشأ من الاحتفاظ بالامتيازات، وإنما من كفاءة المنظومة التي تربط المنتج بالممول، والمصنع بالمزارع، والأسواق المحلية بالعالم.

ومن هنا يصبح قطاع الاتصالات، ومنظومات المدفوعات الرقمية، والبنية التحتية المالية، أدوات للتنمية الاقتصادية وليست غايات مستقلة بذاتها. فهذه القطاعات ينبغي أن تخدم الزراعة والصناعة والتجارة والخدمات، وأن ترفع إنتاجيتها، وتخفض تكلفتها، وتوسع نطاق وصولها إلى المواطنين، لا أن تتحول إلى ساحات للصراع حول الامتيازات.

لقد أثبتت تجارب الدول التي نجحت في التعافي بعد النزاعات أن إعادة الإعمار تبدأ ببناء المؤسسات قبل المباني، وبإصلاح قواعد الحوكمة قبل ضخ الأموال. فالاستثمار يبحث عن بيئة مستقرة، وقواعد واضحة، ومنافسة عادلة، ومؤسسات قادرة على تطبيق القانون بعيداً عن الاعتبارات السياسية أو المصالح الضيقة.

كما أن التنمية المستدامة لا تتحقق عبر مشروعات منفصلة، وإنما عبر بناء منظومات مترابطة. فحين ترتبط الاتصالات بالمدفوعات الرقمية، وترتبط المدفوعات بالتمويل، ويرتبط التمويل بالإنتاج، ثم ترتبط سلاسل الإنتاج بالتصنيع والتصدير، تتحول التكنولوجيا إلى محرك للنمو الحقيقي، لا مجرد خدمة تقنية معزولة.

ومن هذا المنطلق، فإن إعادة إعمار السودان تستوجب إعادة صياغة معمارية التعافي وفق عدد من المرتكزات الأساسية:

أولاً: الانتقال من اقتصاد الريع إلى اقتصاد القيمة..

بحيث تصبح السياسات العامة موجهة نحو تعظيم الإنتاجية، وزيادة القيمة المضافة، وتعزيز الابتكار، بدلاً من التركيز على توزيع الامتيازات أو إدارة الموارد بصورة تقليدية.

ثانياً: بناء منظومة مؤسسية مرنة ..

منظومة تستند إلى الحوكمة الرشيدة، والشفافية، والرقمنة، والتكامل بين المؤسسات، بما يمكنها من التكيف مع الأزمات وامتصاص الصدمات وتحويلها إلى فرص للنمو.

ثالثاً: ربط البنية التحتية الرقمية بالاقتصاد الحقيقي ..

فكل استثمار في الاتصالات أو أنظمة الدفع أو الخدمات الرقمية يجب أن يقاس بمدى مساهمته في دعم الإنتاج الزراعي والصناعي والخدمي، وخلق الوظائف، وتحسين حياة المواطنين.

رابعاً: ترسيخ المنافسة العادلة ..

فالمستثمر الحقيقي يحتاج إلى بيئة تنظيمية مستقرة، وإجراءات واضحة، وفرص متكافئة، بما يعزز الثقة ويجذب رؤوس الأموال الوطنية والأجنبية.

خامساً: جعل سلاسل القيمة محوراً للتخطيط الاقتصادي..

إذ لم يعد كافياً إنتاج المواد الخام، بل أصبح المطلوب بناء منظومات متكاملة تبدأ بالإنتاج، وتمر بالتصنيع والخدمات اللوجستية والتمويل والتسويق، وتنتهي بالوصول إلى الأسواق المحلية والإقليمية والعالمية.

إن السودان يقف اليوم أمام لحظة تاريخية نادرة. فالحروب، على قسوتها، تفتح أحياناً نافذة لإعادة التفكير في مستقبل الدولة بعيداً عن إرث الماضي. غير أن هذه الفرصة قد تضيع إذا انشغلنا بصراعات التراخيص، أو إعادة توزيع النفوذ، أو إعادة إنتاج المؤسسات القديمة بالذهنية ذاتها.

إن المستقبل لن تصنعه كثرة القرارات، وإنما جودة المنظومات التي تنتج تلك القرارات. ولن يقاس نجاح مرحلة ما بعد الحرب بعدد المشروعات التي يتم افتتاحها، بل بقدرة الاقتصاد السوداني على خلق قيمة مستدامة، وتعزيز الإنتاج، وتوسيع فرص العمل، وتحقيق العدالة في الوصول إلى الخدمات.

فإعادة إعمار السودان لا تبدأ من الإسمنت والحديد، وإنما من إعادة بناء الفكر الاقتصادي، وتصميم مؤسسات حديثة، وبناء منظومات وطنية تجعل المواطن والإنتاج وسلاسل القيمة محوراً لكل السياسات العامة.

عندها فقط، يتحول التعافي من شعار سياسي إلى مشروع وطني، وتصبح التنمية المستدامة واقعاً يُبنى كل يوم، لا وعداً يتكرر مع كل أزمة.

تأتي هذه المقالة ضمن سلسلة “نحو سودان جديد.. رؤى في بناء الدولة التنموية والاقتصاد المنتج”، وهي سلسلة تسعى إلى تقديم رؤى عملية لإعادة بناء السودان على أسس الإنتاج، والحوكمة، والابتكار، وسلاسل القيمة، بما يؤسس لدولة تنموية حديثة واقتصاد أكثر قدرة على المنافسة والاستدامة.

“المستقبل لا يُورث… بل يُبنى”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى