روح متجددة
بقلم: عصماء عاصم
للمِحَنِ قدرةٌ غريبة على أن تنزع عن الإنسان ما ألفه من أقنعة، وتضعه أمام نفسه عاريًا من كل ما كانت الحياة المطمئنة تخفيه. والحرب، بما تحمله من خوفٍ وفقدٍ واضطراب، لا تختبر قدرة الإنسان على النجاة فحسب، بل تكشف كذلك ما استقرّ في أعماقه؛ إذ تضيق المساحات، وتتبدّل الموازين، ويجد المرء نفسه أمام أشياء كان يظنّ أن الاقتراب منها مستحيل.
وربما كان أخطر ما تفعله المحنة أن تجعل بعض ما كنا نستنكِره مألوفًا في أعيننا. فما كان يُعدّ سرقةً قد يُسمّى ضرورة، وما كان يُستنكر من كذبٍ قد يجد له صاحبه ألف عذر، وما كان يُرى استغلالًا قد يُنظر إليه، تحت وطأة الحاجة، بوصفه حُسن تدبير. وليس في ذلك حديثٌ عن إنسانٍ اضطرّته قسوة اللحظة إلى أن يبحث عن منفذٍ للنجاة؛ فالاضطرار شيء، وأن تستحيل الضرورة إلى خُلُقٍ دائم شيءٌ آخر. والخطر كل الخطر حين ينتهي الظرف، ويبقى أثره فينا؛ حين نعتاد ما كنّا نرفضه حتى لا تعود أرواحنا تميّز بين ما فعلناه لأننا اضطررنا إليه، وما صرنا نفعله لأننا اعتدناه.
لكن الحرب لا تُخرج من الإنسان أسوأ ما فيه دائمًا؛ وهذه هي الجهة الأخرى التي لا ينبغي أن تغيب عن الصورة. ففي قلب الخراب قد يظهر أناسٌ ازدادوا رحمة، وفي أشدّ أوقات الحاجة قد تجد من يؤثر غيره بما هو أحوج إليه. وقد يكتشف المرء في نفسه شهامةً لم تختبرها الأيام من قبل، فيحمل همّ غيره، ويقتسم القليل، ويظلّ قادرًا على رؤية الإنسان في الإنسان، رغم أن الظروف من حوله تدفعه إلى النجاة بنفسه وحدها.
وهنا يصبح الأمر أكثر التباسًا: هل صنعت الحرب هذه القسوة، وصنعت تلك الرحمة؟ أم أنها فقط رفعت الستار عن أشياء كانت تسكننا ولم تجد من قبل ما يستدعي ظهورها؟ فربما لا يكون الظرف قادرًا على خلق معدنٍ من العدم، لكنه قادرٌ على إظهاره؛ فينكشف في أحدهم جشعٌ كان مستترًا خلف الرخاء، وفي آخر كرمٌ كان ينتظر محنةً ليُرى.
ولعلّ ما يستحق أن نتوقف عنده، ليس فقط ما أخذته الحرب منّا، بل ما تركته فينا؛ فما بعد انطفاء المعارك ليس مجرد إعادة بناء ما تهدّم في الأرض، وإنما محاولة استرداد ما تغيّر في الروح. فقد تنتهي الحرب، لكن بعض عاداتها قد تبقى، وبعض قسوتها قد تتسلل إلى الطباع، كما قد تبقى منها أيضًا معانٍ أخرى: رحمةٌ، وتكافلٌ، وشهامةٌ لم نكن نعرف مقدارها في أنفسنا.
فهل غيّرتنا الحرب حقًا، أم أنها كشفت لنا من كنّا عليه دون أن نعلم؟