من هرمز إلى عسلوية وبوشهر: الجولة الثالثة لترامب تُشعل جغرافيا النفط والغاز الإيرانية
Mazin
رؤية تحليلية نقدية لانفجار المواجهة الأمريكية-الإيرانية الشاملة، تحطم المبادرات الأوروبية للرسوم، وانكشاف أمن الطاقة في الخليج.
بقلم: د. محمد زيدان خفاجي باحث في العلاقات الخليجية-الإيرانية والسياسات الدولية mohammedzidan89@gmail.com
انفجار الجولة الثالثة واستهداف عصب الطاقة الإيراني: تجاوزت المواجهة العسكرية المباشرة بين واشنطن وطهران فجر اليوم السبت كل السقوف المتوقعة، لتدخل المنطقة رسمياً أتون “الجولة الثالثة” من الضربات الأمريكية العنيفة التي تنفذ بتوجيهات حاسمة ومباشرة من الرئيس دونالد ترامب شخصياً؛ ففور قيام بحرية الحرس الثوري الإيراني بمهاجمة سفينة حاويات ترفع علم قبرص أثناء عبورها مضيق هرمز وإشعال النيران في غرفة محركاتها وفقدان أحد أفراد طاقمها، جاء الرد الأمريكي زلزالياً ولم يعد محصوراً في النقاط الساحلية التقليدية للمضيق. ومن منظور أداة التحليل الجيوسياسي، فإن جغرافيا دوي الانفجارات المتلاحقة الليلة تمثل تحولاً دراماتيكياً مرعباً؛ إذ امتد القصف من المحافظات الساحلية في بندر عباس، وميناب، وسيريك، وجزيرة قشم، ليتمدد بعنف ولأول مرة نحو منشآت الغاز والطاقة الإستراتيجية الحيوية في عسلوية، وبندر دير، وبندر كنغان بمحافظة بوشهر—حيث شعر السكان باهتزازات أرضية عنيفة—وصولاً إلى أقصى الجنوب الشرقي في محيط تشابهار، وهو ما يعني نقل الحرب رسمياً من طور الردع اللوجستي والملاحي إلى طور التدمير المباشر لعصب الشريان الاقتصادي والنفطي لإيران.
تحطم المبادرات الأوروبية تحت وطأة النكوص الأمريكي: هذا اللهيب المتصاعد أطاح في ثوانٍ معدودة بكل المساعي والدبلوماسية الهامشية التي قادتها لندن وعواصم أوروبية أخرى خلف الكواليس لوقف التدحرج نحو الحرب الشاملة؛ حيث كانت تلك الأطراف تدرس بذكاء مقترحاً يسمح لطهران بفرض “رسوم خدمات ملاحة” غير إلزامية في مضيق هرمز لتهدئتها وتسييل بعض الأموال لها للالتفاف على تجميد عوائد “الرخصة الأمريكية X”. إلا أن هذا البناء الدبلوماسي انهار تماماً الليلة؛ فالقرار الأمريكي الأحادي بشن الجولة الثالثة أثبت أن واشنطن ترفض مقايضة حرية الملاحة بأي شرعنة للابتزاز الإيراني، مبرهناً على أن تفاهمات “مذكرة إسلام آباد” قد دُفنت رسمياً تحت ركام المنشآت المستهدفة في بوشهر وعسلوية، وأن لغة النار والبارود فرضت سيطرتها المطلقة على حسابات الأطراف الكبرى.
بين الإنكار الداخلي وعسكرة الممرات: ووفقاً لاقتراب تحليل النظم، فإن توسيع رقعة القصف الأمريكي واجهه ارتباك واضح في الداخل الإيراني؛ حيث سارعت السلطات المحلية في محافظة خوزستان لنفي وقوع انفجارات في أهواز وآبادان لتطويق ذعر الشارع، بينما أطلقت بحرية الحرس الثوري تهديدات يائسة بقصف القواعد الأمريكية بالمنطقة إذا تكرر العدوان.
الانكشاف الإستراتيجي وحتمية المقاربة الخليجية المستقلة: إن وصول النيران إلى بوشهر وعسلوية، وتصاعد أعمدة الدخان من السفن المحترقة في المضيق، يعيد وضع الأمن القومي لعواصم مجلس التعاون الخليجي أمام الانكشاف الأكثر خطورة في تاريخ العلاقات الإقليمية؛ فالرهان على الوعود الأمنية و”المظلة الحمائية التقليدية” تهاوى كلياً بعد أن تحولت جغرافيا الخليج برمتها إلى مسرح مستباح للجولات العسكرية المتلاحقة وصراع المنشآت النووية، ما يفرض على القرار الخليجي غرس أنيابه في معادلة الأمن الذاتي، ومغادرة مربع الترقب، والمسارعة نحو بناء تحوط إستراتيجي شامل وشبكة تفاهمات ثنائية مباشرة تحمي منشآت الطاقة والموانئ المحلية من نيران حرب ممرات تتطاير شظاياها لتهدد بحرق الجميع.
الخاتمة: خرائط تُكتب بالبارود: في التحليل الأخير، تثبت ليلة الانفجارات المتلاحقة من بندر عباس إلى تشابهار أن لغة السلاح أطاحت بسلام الورق، ومع بقاء الحملة الأمريكية معلقة على الخطوات القادمة لطهران، يبقى السؤال الإستراتيجي معلقاً فوق المياه الملتهبة: هل تنجح الجولة الثالثة لترامب في إخضاع المنظومة العقائدية للحرس الثوري ودفعها للتراجع عن شروط اليورانيوم والملاحة، أم أن حسابات الصدام المفتوح ستدفع طهران للانتحار الجيوسياسي وتفجير الإقليم برمتّه؟