الأبيض .. لا الزمن غير ملامحها ولا هزتها محنة!!

إبراهيم احمد الحسن
(1)
وتوزعنا تالا المدن المدعية ( المدن المصّت دمِّك / ودسَّت فوحك / قسّت همِّك /وقصَّت موحك ..) مصت دمنا .. و قست همنا ودست فوحنا ،سافرنا الي بلاد بعيدة تنوم وتصحى على مخدات الطرب .. احتقبنا معنا الأُغنيات والذكريات وحلم العودة الجميل ، وإصطحبنا معنا
الدعاء الأثير من الحاجة نورة : إن شاء الله تامين ولامين وسالمين وغانمين . كنا نغيب ثم نعود ونجد الأبيض هي الأبيض تعتلى المنابر ، فصيحة بلا تلجلج ،كبيرة القيمة والمقام بلا صلف أو غرور ، قوية بلا إفتراء يعلو صيتها ويسير بذكرها الركبان يرتفع صوتها في أدب وينخفض في خفر وتهذيب ، تمارس السرّ محل السر والجهر محل الجهر ، أينما ؟ بل وكيفما دعا الداعي لا تهن . ونعود نحن ! نعود ونجد حالها مثل ما وصفه هاشم ميرغني الذي غنى( نحن يانا نحن )!
(2)
وغنينا ونُغني الجمال ملء الفم والجوانح، ورفعنا ونرفع صوتنا بالنغم الشفيف ( غيب وتعال / تلقانا نحن يانا نحن / ما غيرتنا ظروف ولا هزتنا محنة / كم بعنا في الغرام وأشترينا / غير هواك ما ربحنا / يا حبابنا يا شبابنا يا رباطنا ويا سمحنا / غيب وتعال تلقانا بنفس الايادي الراجفة مشتاقة في ساعة سلامك /غيب وتعال بي نفس المشاعر الطيبة الديمة تطرب من كلامك / غيب وتعال / تلقانا بي نفس القلوب الياما/ حزنت لما فقدت إبتسامك / والله بعدك يا غالي لا غنينا ولا إنشرحنا )
(3)
ولكننا سنغني وننشرح ، ونغني عندما يتأهل نصرالدين آخر العنقود في بيت العديل والزين ، وننشرح ! نعم ننشرح عندما نرى أمنا نورة جدة العريس تقيم ليالي الجرتك بالعديل والفرح والزين وهي تدندن بالعديلة تقدمو وتبراه تدندن بصوتها الحنين ( بسم الله ابتديت قولي السمح والزين )
(4)
وننشرح عندما نرى بعين خيالنا والدة العريس الراحلة فاطمة وهي بهدؤها العجيب وحكمتها وطيب خاطرها ، تبتدر حناء العريس بوضع أساس الفرح الذي يشع من جبينها الوضاء ثم تدعو . تدعو للعريس بالبيت السعيد وهي تستمع لدندنة الوالدة نورة (شيال التقيلة الشوفتو تملأ العين / من قومة الجهل معروف ولد سترة في بيت الحلال ان شاء الله تتهنى ) وتلتفت الي اصدقاء العريس الذين يبشرون فوقه ( عقبال للوراك من قلبي بتمنى )
(5)
وننشرح نعم ننشرح عندما نرى بعين الخيال خالة العريس حنان حاضرة بكل الألق والبهاء والحضور الطاغي الذي لا تخطئه عين وهي تضع الضريرة وتقف حياة احمد الحسن غير بعيد وهي تربط الحريرة . تغني حنان (الليلة يوم حننوه) ثم تعرج إلى: يوم السعد الليلة يا المبروك / حراسك ملائكة وكان مشيت يبروك /من عين الحسود ان شاء الله تستبرأ ) تبتسم حياة ثم تختفى في حياء وسط جارات الحي تستمع الي غنائهن في حنو وتنصت في اهتمام للكلمات البليغة في غناء السيرة ياعديلة يا بيضا ويا ملائكة سيري معاه الليلة شويا بقدرة الله. وتأتي من بعيد أميرة الشباب ، أخت العريس أميرة تحمل في يمناها الكتاب وفي يسراها سعفة وقرمصيص لتكمل لوحة العرس البهيج في حوش البيت الكبير بحضورها الباذخ وهي غياب عند مليك مقتدر .
(6)
وننشرح عندما يكون وسطنا بدرالدين كربون ، يجهز للعرس بالتحضير والطلاء الجميل وهو يشجع ( اولاد حلة المعاصر وودالياس وكل أحياء الأبيض حضور ) أن هلموا ففي ( بيتنا الأن عرس ) ، ثم يذهب لتحضير الوشاح الذي يليق بالعريس ، ويمضي يدبج الكلمات من عيون مفردات اللغة التي يجيدها ويملك زمامها ويهديها للعريس . قبل أن ينادي من تجمع من الشباب وجلسوا غير بعيد فوق رمال القويز الصغير الذي يتوسط المسافة بين المقابر والبيت الكبير ،والذي ربما كان هو من غنى له عبدالقادر سالم : (أسير غزال فوق القويز / كلام غزل معسول لذيذ) قبل أن يقول مكتول هواك يا كردفان مكتول هواك أنا من زمان . وبدرالدين عاشق لكردفان ومكتول هواها من زمان ، ولا تغيب عن خاطره طرفة عين إلى أن اختاره الله إلى جواره راضياً مرضياً دخل في عباد الله وفي جنته .
(7)
وننشرح نعم ننشرح ونحن نرى أصدقاء العريس من الجيران والاهل والأصدقاء وزملاء العمل وهم يصطفون ، يقومون بالواجب ، لا يتأخر منهم أحد وعندما نرى أصدقاء (كربون الكُثر ) بملأون صيوان الفرح بهجةً وسرور وحضور لافت وجميل .
(8)
وننشرح نعم ننشرح عندما نعلم ان العريس نصرالدين برغم السعة النسبية إلا إنه وأخوانه قد قرروا أن يكون الاعلان والإشهار ، على صحن بوش يجتمع حوله أولاد الحلة وهم يقومون بتجهيزات العرس ( كما مقطع الفيديو المصاحب ، وإختاروا أن ينيروا (شارع بيتنا ) بالطلاء الجميل والحضور الانيق لشباب ( زي الورد ) ولوحة جميلة رسموها بإبداع وحب على جدار الحوش.
نعم فقد إختار ( عصام ومحمد وناجي وأخوالهم ) ملء الإرادة أن تكون العيزومة الكبرى للمناسبة الكبيرة علي ( كباية شاي ) وقطعة خبيز صنعتها أيادي أخوات العريس وبنات الحلة بحب ، وقدمنها في أناقة وذوق يشبه رهف مشاعرهن النبيلة تجاه شقيقهن العريس يوم فرحه الكبير .
(9)
وننشرح نعم ننشرح ونحن نقدم التهاني للعريس وللعروس ولأهل الأبيض المدينة العروس وهي تزف العريس وتدعوا بالرحمة والمغفرة لمن فقدناهم ، وافتقدناهم في هذه اللحظات ويقيننا أن دعواتهم لنا تصلنا من جنة الفردوس الأعلى من فوق سبع سموات طباق .
(10)
وننشرح نعم ننشرح عندما نرى في يوم العرس هذا الأبيض عروس الرمال متوجة بجمال لا يخبو ولا يشيخ ، تحضر بكل ما فيها من صفات لا يغيرها الزمن ، نغيب عنها ثم نأتي تلقانا نحن يانا نحن غير هواها ما عرفنا . ونلقاها المدينة العروس كما هي ( لا الزمن غير ملامحها ولا هزتها مِحّْنَة) نغني لها ، وتهدهد مشاعرنا بالقول الجميل وبالحماس (يا حبابنا يا شبابنا يا رباطنا ويا سمحنا!! ) ونقول لها ملء الفم (والله غير هواك ما عرفنا ) ..ما عرفنا .. ما عرفنا .. وما عرفنا !وأبشر يا عريس.

Exit mobile version