الأحداث – ماجدة حسن
لم تعد الحرب في السودان مجرد حدث سياسي أو عسكري يمكن اختزاله في نشرات الأخبار، بعدما امتدت آثارها إلى تفاصيل الحياة اليومية، والنزوح، وفقدان المنازل، وتشتت الأسر، والهجرة، وتبدل العلاقات الاجتماعية. ومع استمرار هذه التجربة، يبرز سؤال آخر أمام الدراما والسينما السودانية: هل تستطيع الشاشة أن تحفظ ما تعجز الذاكرة الفردية عن الاحتفاظ به؟ وهل يمكن للفن أن يوثق آثار الحرب دون أن يتحول إلى مجرد إعادة إنتاج للمأساة؟
هذا السؤال عاد إلى الواجهة خلال لقاء جمع المنتج والمخرج د. جلال حامد بوزير الثقافة والإعلام والآثار والسياحة الأستاذ خالد الإعيسر، بحضور وكيل الإعلام بالوزارة الأستاذة سمية الهادي، وبمشاركة العقيد (م) إبراهيم الحوري والأستاذ عبد الرحمن عيدروس، حيث ناقش اللقاء سبل التعاون بين الدولة والقطاع الخاص وتوظيف الإنتاج الفني والدرامي في توثيق تضحيات ومعاناة السودانيين وحفظ ذاكرة المرحلة.
وتكتسب الفكرة أهميتها من اتساع مساحة الحرب داخل الإنتاج السوداني خلال السنوات الأخيرة. فهناك أعمال تتناول الحرب بصورة مباشرة، وأخرى تقترب منها من خلال آثارها على الإنسان والمكان والذاكرة، بينما اختارت تجارب أخرى الوثائقي والمزج بين التسجيل وإعادة بناء الأحداث.
ويأتي مسلسل «سنعود» من إنتاج شركة جلال حامد للإنتاج الفني وإخراج حسن كدسة، نموذجاً لهذا الاتجاه في الدراما التلفزيونية، من خلال الاقتراب من تداعيات الحرب وتجربة السودانيين في النزوح واللجوء والعودة. وقد دشنت الشركة التحضيرات للعمل في أغسطس الماضي، بمشاركة عدد من نجوم الدراما السودانية.
لكن التجربة الأبرز التي تكشف إمكانات الصورة في التعامل مع الحرب ربما تتمثل في الفيلم الوثائقي «الخرطوم»، الذي بدأ تصويره قبل اندلاع الحرب، عندما كان أربعة مخرجين سودانيين يرصدون حياة شخصيات عادية في العاصمة. ومع اندلاع الحرب في أبريل 2023، اضطر صناع الفيلم وشخصياته إلى مغادرة السودان، فتحولت التجربة نفسها إلى جزء من موضوع الفيلم، وانتقل التصوير إلى شرق أفريقيا، مع استخدام تقنيات تجمع بين الوثائقي وإعادة التمثيل والرسوم المتحركة.
الفيلم، الذي شارك في مهرجاني صندانس وبرلين عام 2025، يتابع خمس شخصيات سودانية عادية، من بينها بائعة شاي وموظف حكومي ومسعف وطفلان من أطفال الشوارع، ليقدم الحرب من مستوى مختلف: مستوى الإنسان الذي تتغير حياته قبل أن تتغير عناوين المدن. وحصل العمل لاحقاً على جائزة «غيلدا فييرا دي ميلو» في مهرجان جنيف الدولي للأفلام وحقوق الإنسان.
ولا تقف التجارب عند الحرب الحالية وحدها. فالفيلم الروائي «وداعاً جوليا» لمحمد كردفاني تناول، من خلال حكاية امرأتين، تعقيدات العلاقة بين شمال السودان وجنوبه والتفاوتات الاجتماعية والعرقية التي سبقت انفصال الجنوب، مقدماً مثالاً على قدرة الدراما على الاقتراب من جذور الانقسامات التي يمكن أن تترك آثاراً طويلة في المجتمع. وعُرض الفيلم ضمن قسم «نظرة ما» في مهرجان كان عام 2023 وحصل على جائزة الحرية.
وفي تجارب أخرى، اتجه صناع أفلام سودانيون إلى الوثائقي المباشر لتسجيل الحرب والنزوح والتحولات الاجتماعية، بينما ظهرت أعمال تجريبية تحاول التعبير عن أثر الحرب نفسياً ورمزياً، مثل الفيلم القصير «هل هي حرب؟» للمخرج تميمة محمد أحمد، الذي يتناول واقع الحرب من خلال تجربة سوداني في الشتات وصراعه مع صورة الوطن والحرب والانتماء.
وهنا تتضح المسألة: توثيق الحرب لا يعني بالضرورة تصوير المعارك. فقد يكون المنزل الذي لم يعد قائماً، والأسرة التي تفرقت، والمدينة التي تغيرت، والمهاجر الذي ينتظر العودة، أكثر قدرة على اختصار معنى الحرب من عشرات المشاهد المباشرة.
لكن تحويل هذه التجربة إلى دراما يضع صناعها أمام مسؤولية كبيرة؛ فالحرب تحمل روايات متعددة وتجارب شديدة الحساسية، وأي معالجة فنية تحتاج إلى موازنة بين الدراما والتوثيق، وبين حق الضحايا في رواية تجاربهم وحق الفن في إعادة تشكيل الواقع.
ومن هنا تأتي أهمية النقاش الذي فتحه لقاء جلال حامد وخالد الإعيسر: ليس باعتباره بحثاً عن عمل واحد يروي الحرب، وإنما عن دور مستدام للدراما السودانية في حفظ ذاكرة مرحلة كاملة. فالأعمال التي تُنتج اليوم قد تصبح غداً إحدى الوثائق التي يعود إليها السودانيون لمعرفة كيف عاش مجتمعهم الحرب، وكيف قاوم آثارها، وكيف حاول أن يبدأ من جديد.
ويبقى السؤال مفتوحاً أمام المنتجين والمخرجين والكتاب: هل تستطيع الدراما السودانية أن تروي الحرب كما عاشها الناس، لا كما ظهرت في الأخبار فقط؟ وهل تنجح في تحويل الوجع الراهن إلى ذاكرة فنية تبقى بعد أن تصمت المدافع؟
.