ثقافة وفنون

من «جنقو كايرو» إلى «سنعود».. الدراما السودانية توثّق الحرب وتحمل ذاكرة شعب

الاحداث:ماجدة حسن

لم تكن الحرب التي اندلعت في السودان في أبريل 2023 حدثًا سياسيًا وعسكريًا فحسب، بل تركت آثارًا عميقة على المجتمع السوداني، وانعكست على تفاصيل الحياة اليومية للفرد والأسرة، وعلى الحركة الفنية والإبداعية التي وجدت نفسها أمام واقع جديد فرض عليها إعادة تعريف دورها. وفي هذا السياق، بدأت الدراما السودانية تتجه بصورة متزايدة نحو تناول الحرب وتداعياتها، وتحويل التجربة الإنسانية إلى حكايات قابلة للمشاهدة والتوثيق.

ومن بين التجارب التي اقتربت مبكرًا من آثار الحرب، جاءت تجربة المخرج السوداني أبو بكر الشيخ، الذي قدم خلال العام الأول للحرب حلقات درامية بعنوان «جنقو كايرو» تناولت أوضاع النازحين والظروف التي عاشوها، قبل أن يقدم لاحقًا مسلسل «أقنعة الموت.. سمفونية الحريق والنزوح»، الذي صُوّر بين القاهرة وأم درمان وتناول موضوعات مرتبطة بالنزوح والانتهاكات ومعاناة المدنيين، مع طرح فكرة العودة وإعادة إعمار السودان.

كما شهدت مواسم رمضان خلال سنوات الحرب محاولات لاستمرار الإنتاج الدرامي السوداني رغم صعوبة الظروف، حيث ظهرت أعمال تناولت قضايا المجتمع في زمن الحرب والنزوح، في وقت اضطر فيه عدد كبير من الفنانين وصنّاع الدراما إلى مغادرة السودان ومواصلة العمل من دول أخرى. وقد أصبحت الدراما، في جانب من هذه التجارب، مساحة للحفاظ على التواصل بين السودانيين داخل البلاد وخارجها.

وفي هذا المشهد يبرز مسلسل «سنعود» بوصفه أحد أكثر المشاريع الدرامية السودانية مباشرة في التعامل مع الحرب وتداعياتها. فقد أعلنت شركة الدكتور جلال حامد للإنتاج الفني أن العمل يتناول قصصًا وحكايات مرتبطة بالحرب، من النزوح والهجرة وتشتت الأسر، إلى معاناة السودانيين في دول اللجوء والاغتراب، وما رافق تلك المرحلة من تحولات اجتماعية وإنسانية.

ويكتسب «سنعود» خصوصيته أيضًا من طبيعة إنتاجه؛ إذ جرى تصوير أجزاء منه في عدد من الدول التي وصل إليها السودانيون خلال الحرب، إلى جانب التصوير داخل الخرطوم، بما يمنح العمل مساحة أوسع لرصد تجربة السودانيين بين الوطن والمنافي. وتشير المعلومات المنشورة عن المشروع إلى أن المسلسل يتكون من 30 حلقة، ويستند إلى قصص واقعية عاشها السودانيون منذ اندلاع الحرب وحتى مراحل العودة.

وتكشف هذه التجارب عن تحول مهم في وظيفة الدراما السودانية؛ فلم تعد الحرب موضوعًا عابرًا داخل الحكاية، بل أصبحت جزءًا من الذاكرة الجماعية التي يسعى الفن إلى حفظها. وبينما وثقت بعض الأعمال النزوح والفقد وتبدل الحياة اليومية، يتطلع «سنعود» إلى توسيع هذه الدائرة، عبر تقديم حكاية تتجاوز مشاهد الحرب إلى الإنسان الذي يحاول النجاة، ويحافظ على أسرته، ويتمسك بفكرة العودة.

وبين «جنقو كايرو» و**«أقنعة الموت»** و**«سنعود»**، تتشكل ملامح اتجاه درامي سوداني جديد، يرى في الشاشة مساحة للتوثيق، وفي الحكاية وسيلة لحفظ الذاكرة، وفي الفن محاولة لاستعادة صوت الإنسان السوداني وسط واحدة من أقسى المراحل التي مرت بها البلاد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى