رأي

من تآكل العملة إلى الاقتصاد الرقمي

آفاق رقمية
الاقتصاد الرقمي بعد الحرب (٣/١)
د. محمد عبدالرحيم يسن
digital.start23@gmail.com

يواجه السودان بعد الحرب تحديات اقتصادية غير مسبوقة، يأتي في مقدمتها تآكل قيمة العملة الوطنية وارتفاع معدلات التضخم وتراجع القوة الشرائية للمواطن، فالحرب عطلت قطاعات واسعة من الإنتاج والخدمات، بل ألقت بظلالها الثقيلة على الاقتصاد الوطني، وأضعفت قيمة الجنيه السوداني بصورة انعكست على أسعار السلع والخدمات، تسبب في ارتفاع معدلات التضخم بصورة غير مسبوقة، مما أفقد العملة جزءا كبيرا من قدرتها الشرائية.
ومع كل موجة تضخم تتراجع قيمة العملة،تحتاج الأسواق إلى كميات أكبر من الأوراق النقدية لإنجاز المعاملات اليومية، فالسلعة التي كانت تشترى بورقة نقدية واحدة أصبحت تحتاج إلى عدة أوراق، ومع تزايد الحاجة إلى النقد ترتفع الأعباء على الدولة والجهاز المصرفي لإنتاج المزيد من الأوراق النقدية وتداولها. ولا تقتصر تكلفة العملة الورقية على عملية الطباعة وحدها، فهناك تكاليف التصميم والتأمين والنقل والتخزين والتوزيع والاستبدال الدوري للأوراق التالفة، كما تتحمل المصارف والمؤسسات التجارية تكاليف إضافية مرتبطة بعد الأموال وفرزها ونقلها وحمايتها من الفقد والتلف والتزوير. وكلما انخفضت قيمة العملة زادت الحاجة إلى كميات أكبر من النقد، فتزداد التكلفة على الاقتصاد بأكمله، وتظهر مفارقة اقتصادية مهمة، “*فكلما انخفضت قيمة العملة احتاج الاقتصاد إلى طباعة المزيد منها، وكلما زادت الكميات المطبوعة ارتفعت تكلفة إدارتها*”. وفي ظل الموارد المحدودة المتاحة التي يحتاجها السودان لإعادة الإعمار وتحسين الخدمات الأساسية، يصبح من الضروري البحث عن حلول تقلل الاعتماد على النقد الورقي وترفع كفاءة إدارة الأموال. من هنا تبرز التكنولوجيا كجزء مهم من الحل، فعندما تتم المعاملة والدفع إلكترونيا تنتقل القيمة المالية بين الأطراف خلال ثوان معدودة دون الحاجة إلى تداول أوراق نقدية أو نقلها أو تخزينها أو تأمينها، وكلما توسعت دائرة المدفوعات الرقمية انخفض الطلب على النقد، وتراجعت الحاجة إلى طباعة المزيد من العملة.
وقد أثبتت تجارب عديدة نجاح هذا التوجه، ففي كينيا أسهمت خدمات الدفع عبر الهاتف المحمول في توسيع الشمول المالي والوصول إلى ملايين المواطنين خارج النظام المصرفي، وفي الصين أصبحت المدفوعات الرقمية جزءا أساسيا من الحياة اليومية، حتى في المتاجر الصغيرة والأسواق الشعبية. أما الهند فقد نجحت في تنفيذ مليارات المعاملات الرقمية سنويا عبر منصات وطنية موحدة، مما خفض الاعتماد على النقد ورفع كفاءة النشاط الاقتصادي.
والسودان ليس ببعيد عن هذه التجارب، ولعل تجربة تطبيق “بنكك” على سبيل المثال تعتبر واحدة من نماذج الدفع الإلكتروني، فقد أصبح التطبيق خلال السنوات الماضية وسيلة رئيسية لتحويل الأموال وسداد وإجراء المدفوعات اليومية لملايين السودانيين داخل البلاد وخارجها. وخلال الظروف الاستثنائية التي صاحبت الحرب وما بعدها، ساهم التطبيق وغيره من التطبيقات مثل فوري في استمرار جزء مهم من الحركة الاقتصادية، ومكن المواطنين من تحويل الأموال واستلامها وإنجاز معاملاتهم المالية في وقت تعذر فيه الوصول إلى العديد من الفروع المصرفية.
وتكمن أهمية هذه التجربة في أنها أثبتت أن المواطن السوداني قادر على تبني الحلول الرقمية والتعامل معها بثقة متى ما كانت سهلة وآمنة وتلبي احتياجاته اليومية، وإذا افترضنا أن مليون معاملة فقط تتم يوميا عبر التطبيقات المصرفية بدلا من النقد الورقي، فإن ذلك يعني توفير ملايين الأوراق النقدية التي كان يجب طباعتها ونقلها وفرزها وتأمينها.
ولا تقتصر فوائد المدفوعات الرقمية على خفض تكلفة التعامل بالنقد، بل تمتد إلى تسريع الدورة الاقتصادية نفسها. فالتاجر يحصل على أمواله بصورة أسرع، والمواطن ينجز معاملاته بسهولة أكبر، والمؤسسات تستطيع تقديم خدماتها بكفاءة أعلى، كما أن المعاملات الرقمية توفر بيانات تساعد في تحسين التخطيط الاقتصادي واتخاذ القرارات بصورة أكثر دقة.
إن التقنية وحدها لن تعالج التضخم، ولن تعيد قيمة الجنيه السوداني إلى مستويات أفضل بين ليلة وضحاها، فهذه قضايا ترتبط بالإنتاج والاستقرار والسياسات المالية والنقدية، إلا أنها تستطيع أن تخفف جزءا مهما من تكلفة الأزمة، وأن تجعل إدارة الأموال أكثر كفاءة، وأن تتيح للدولة توجيه مواردها نحو الإنتاج وإعادة الإعمار بدلا من إنفاقها على دورة متواصلة من طباعة النقد ونقله وتأمينه.
السودان، وهو يواجه تحديات إعادة الإعمار وتعافي الاقتصاد واستعادة الثقة في مؤسساته المالية، فإنه أحوج ما يكون إلى تبني رؤية وطنية متكاملة للمدفوعات الرقمية، تتبناها الدولة على أعلى المستويات، بدءا من رئاسة مجلس الوزراء ووزارة المالية وبنك السودان المركزي ووزارة التحول الرقمي والاتصالات، وصولا إلى المصارف وشركات الاتصالات والقطاع الخاص.
في العمود القادم سننتقل من الحديث عن خفض تكلفة النقد الورقي إلى قضية لا تقل أهمية، وهي كيف يمكن للاقتصاد الرقمي أن يساعد الدولة في استعادة السيطرة على الدورة المالية، وتقليص الاقتصاد غير المنظم، وتعزيز الإيرادات العامة، وبناء منظومة مالية أكثر كفاءة وشفافية في مرحلة ما بعد الحرب.
١٥ يونيو ٢٠٢٦م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى