مهند عوض محمود
تاريخ الدول لا يُقرأ بالشعارات، بل بالحصيلة. والاقتصاد تحديداً لا يعرف المجاملات، لأن الأرقام فيه أكثر صدقاً من الخطابات، والنتائج أكثر بلاغة من الشعارات.
ولذلك فإن السؤال الاقتصادي الأهم في السودان اليوم ليس مَن نختلف معه سياسياً، بل مَن يملك فعلاً خطة اقتصادية تُخرج هذا البلد من أزماته المتراكمة.
حين جاءت حكومة الإنقاذ، كان السودان يعيش أوضاعاً اقتصادية شديدة التعقيد؛ أزمة في النقد الأجنبي، اختناقات في السلع، ضعفاً في المالية العامة، ثم جاءت سنوات الحصار والعزلة الدولية التي ضيّقت على البلاد أكثر. في ذلك السياق، لم يكن التحرير الاقتصادي مجرد رفاهية فكرية أو نزوة أيديولوجية، بل خياراً فرضته ظروف موضوعية؛ دولة محاصرة، خزينة ضعيفة، وسوق يجب أن يجد طريقاً لتوفير السلع.
والإنصاف يقتضي القول إن الإنقاذ لم تكن بلا عقل اقتصادي. كانت هناك أسماء ذات وزن وتأثير مثل عبد الرحيم حمدي، عبد الوهاب عثمان، صابر محمد الحسن، الزبير محمد الحسن، وعوض الجاز، وكانت هناك خطط خمسية وعشرية ومحاولات لإعادة هيكلة الاقتصاد بما يناسب تلك المرحلة.
ثم جاء التحول الكبير مع النفط. عبر الشراكة مع الصين، نجح السودان في الانتقال من بلد مستورد للنفط إلى بلد منتج ومصدر، وعاش بين أواخر التسعينات وحتى 2011 أفضل فتراته الاقتصادية الحديثة نسبياً. في ذروة المرحلة النفطية، دار سعر الدولار الرسمي في حدود الجنيهين إلى جنيهين ونصف تقريباً، وسجل الاقتصاد معدلات نمو قوية تجاوزت في بعض السنوات 8%، بينما دار متوسط النمو خلال سنوات الطفرة النفطية حول 6% تقريباً. تحسنت الإيرادات العامة، واستقرت الأسواق نسبياً، وتحسنت القوة الشرائية مقارنة بالمراحل اللاحقة، وشهدت البلاد توسعاً في الطرق والكباري والكهرباء والبنية التحتية.
لكن الخطأ الاستراتيجي الكبير لم يكن في تحقيق الإيرادات، بل في توظيفها. كانت تلك لحظة تاريخية كان يمكن أن تتحول فيها عائدات النفط إلى قاعدة لإعادة بناء الاقتصاد الحقيقي؛ زراعة حديثة، صناعة تحويلية، صندوق سيادي، صادرات متنوعة، واقتصاد أقل هشاشة أمام الصدمات. لكن الجزء الأكبر من الموارد اتجه إلى الأمن والدفاع، والصرف الجاري، والبنية التحتية على أهميتها، بينما لم يحدث التحول الهيكلي المطلوب. وحين انفصل الجنوب وفُقد الجزء الأكبر من النفط، ظهرت هشاشة النموذج بوضوح.
و هنا يجب أن نكون منصفين أيضاً. إذا كانت الإنقاذ قد بنت نموذجها الاقتصادي وفق ظروف حصار وعزلة وضغوط، فمن الطبيعي أن تأتي الحكومات التي تلتها وتراجع هذا النموذج بالكامل، لا أن تتعامل معه وكأنه نص مقدس. ثم جاءت حكومة الثورة، وسط آمال كبيرة، ومعها رئيس وزراء ذو خلفية اقتصادية دولية مرموقة، وكان من المنطقي أن يتوقع السودانيون مراجعة جادة للنموذج الاقتصادي كله، لا مجرد إدارة الأزمة اليومية.. لكن ما حدث اقتصادياً كان مختلفاً.
في نهاية 2019، كان التضخم السنوي يدور حول 57% تقريباً، وهو رقم مرتفع وخطير بالفعل، لكن خلال فترة حكومة حمدوك، قفز التضخم بصورة غير مسبوقة، متجاوزاً 269% في 2020، ثم بلغ ذروته التاريخية فوق 350% في 2021. أما سعر الدولار، فقد كان يدور حول 55 إلى 60 جنيهاً رسمياً عند بداية تلك المرحلة، ثم خفّضت حكومة حمدوك قيمة الجنيه بصورة كبيرة، واعترفت عملياً بسعر السوق الموازي، فيما عُرف بسياسة (توحيد سعر الصرف)، فقفز الدولار إلى مستويات قاربت 580 جنيهاً.
وهنا لا نتحدث عن أرقام مجردة، بل عن أثر مباشر على معاش الناس. فالأسعار انفجرت، وتآكلت الأجور، وتراجعت القوة الشرائية بصورة قاسية، وتحولت المعيشة اليومية إلى معركة حقيقية.
ثم جاءت الواقعة الأخطر اقتصادياً، والتي لا تزال آثارها محل نقاش حتى اليوم: سداد 335 مليون دولار كتعويضات للولايات المتحدة في ملف ضحايا الإرهاب، كجزء من ترتيبات رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب. قد يجادل البعض بأن القرار كان سياسياً ودبلوماسياً ضرورياً، لكن اقتصادياً، فإن ضخ هذا الحجم من الطلب على الدولار في سوق هش ومختل شكّل ضغطاً مباشراً على سوق النقد الأجنبي، وساهم في تعميق الاختلالات في لحظة كانت البلاد فيها تعاني أصلاً من شح العملة الأجنبية.
والحقيقة التي لا يمكن تجاوزها أن تلك المرحلة، رغم زخمها السياسي الكبير، لم تترك مشروعاً اقتصادياً هيكلياً واضحاً أعاد تعريف دور الدولة، أو أصلح الزراعة، أو بنى صناعة تنافسية، أو استعاد الثقة في الجهاز المصرفي، أو قدّم بديلاً حقيقياً للنموذج الاقتصادي القائم.
ثم جاءت المرحلة العسكرية، وهنا أيضاً يقتضي الإنصاف الاعتراف بأن أي دولة تخوض حرباً وجودية ستكون فيها الأولوية للأمن والدفاع، وهذا مفهوم بالكامل. لكن الاقتصاد لا يتوقف عن النزيف لأن الدولة منشغلة بالحرب. الحرب دمّرت البنية التحتية، عطلت الإنتاج، قلّصت الإيرادات، شرّدت الملايين، وأدخلت الاقتصاد في واحدة من أعنف مراحله. إنكمش الناتج المحلي بصورة حادة، وقفز التضخم مجدداً، وتدهورت العملة، واتسعت دائرة الفقر والانكشاف الاقتصادي. واليوم، تقف حكومة الأمل أمام بلد مختلف تماماً عن كل ما سبق. بلد مثقل بالحرب، وبنية تحتية مدمرة، إنتاج متعثر، صادرات ضعيفة، وجهاز مصرفي يعاني أزمة ثقة، ومواطن أنهكته المعيشة.
وفي هذه اللحظة، لم يعد السودان يحتمل إدارة يوم بيوم، ولم تعد القرارات الإسعافية ولا الشعارات كافية. ما يحتاجه السودان اليوم هو خطة اقتصادية حقيقية، مكتوبة ومعلنة وقابلة للقياس، تعالج آثار الحرب، وتعيد تشغيل الإنتاج، وتحدد مسار الزراعة والصناعة والصادرات والنقد الأجنبي، وتضع معاش الناس في قلب الأولويات.
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث للسودان الآن هو أن ينتقل من حكومة إلى أخرى، ومن أزمة إلى أخرى، دون أن يمتلك أحد خريطة طريق اقتصادية واضحة.
الإنقاذ كان لديها نموذجها الاقتصادي الواضح، رضي بذلك أم أبى من جاء بعدها. وحكومة الثورة كان يفترض أن تراجع النموذج، أو تطرح نموذجاً بديلاً، لكنها لم تفعل. المرحلة العسكرية كانت لها أولوياتها الأمنية المفهومة..
أما اليوم، فلم يعد هناك ترف الوقت.. لأن الاقتصاد السوداني لم يعد يحتمل مزيداً من التجريب.
والسؤال الذي يجب أن يُطرح بوضوح كامل هو: من الإنقاذ إلى الأمل… من يملك فعلاً الخطة الاقتصادية للسودان؟