لم يكن المرحوم محمد إبراهيم نقد (1930-2012) كاتباً غزيراً لكنه كان كاتباً كثيفاً إذا صحَّ التعبير، فالذي طرحه للقارئة منشوراً يعزّ في الميزان على الصحف المسوَّدة الطوال. ومثلما كان كثيفَ التأليف كان بطيئَهُ حتى أنّ بعضَ شُغلِه امتدَّ في تكوينه عبر أكثر من عقد من الزمان. كدأبِ الشيوعيّ بحقّ، لم يستعجل المرحوم محمد النتائجَ على الإطلاق، وكان من حصيلة صبره الأسطوريّ أن وجدَت بعضُ أفكاره الأوّلية حول مسألةٍ حادثةٍ تصديقَها في وقائعَ قامت تباعاً في التاريخ اللاحق. ومن ذلك «أطروحةٌ»، بعبارة محرّرة «البيان» الإماراتية، نشأتْ أوّل ما نشأت في تسعينيات القرن الماضي، ولم تجد طريقها إلى النشر لعموم القراء حتى العام 2003، مقالة بعنوان «المجتمع المدني العربي يواجه خطر التحوّل إلى شاهد زور»، جريدة «البيان»، 14 مايو 2003.
استوحى المرحوم محمد من أدب المسرحي الكبير جون باتيست بوكلان ولقبه موليير (1622-1673)، مؤلّف مسرحية «البرجوازي النبيل» (وعُرضت لأول مرة في 1670)، صورةَ «مُستجدّ النعمة» الذي قفز سريعاً في السلّم الاجتماعي ووجد نفسه في صحبة راقية لم يستعد لها؛ صحبة النبل والعلم الأدب إلى جانب المال الغزير. وهي صورة تتجدّد في الأدب مع كلّ انقلاب طبقي. عند موليير، أثرى المسيو جوردان، متواضع الأصل، مُستجدّ النعمة، بمال أبيه في ساعة الانقلاب من سيادة الأرستقراطية إلى سيادة البرجوازية. وفي أدبنا الشفاهيّ، أثرى «أب زَهاَنة»، نؤوم الضّحى، مستجدّ النعمة، بمال أبيه فأفسد فيه في ساعة الانقلاب من سلطان الفرسان الأبطال من سنخ «البِشِيل فوق الدّقر ما بميل» إلى سيادة السماسرة أصحاب «البرادو» الذين استطال عصرُهم حتى دولار على كرتي الجمركي وبنك الخليج لأصحابه آل دقلو.
أحبّ المسيو جوردان، «مستجدّ النعمة» في مسرحية موليير، أن يعيد حياكة نفسه على نمط «النبيل»، فأسرف في اللبس الجديد شديد الزينة واستأجر من يعلّمه فنون النبلاء؛ رياضات الفروسية والرقص والموسيقى وكذلك الأدب والفلسفة. لكنْ تعثَّرَ تعليمُه بعصيان المحتوى على الشكل، فأصبح موضوعاً لسخرية معلّميه، «المثقّفاتية» بأجر، وصار نكتةً جارية. واختار المرحوم محمد من هُزْء موليير بهذه الشخصية سرورَ المسيو جوردان بجهله حينما طرَح عليه معلّمُه أنّ الأدب إما شِعر أو نثر، فاستخلَص المسيو جوردان من هذا التصنيف بكلّ حبور، إذاً، أنه لطالما كان يتحدّث نثراً ولا يدري، وفاتته ماهية الأدب!
جاء المرحوم محمد بهذه الصورة للإحاطة بما طرحته أيديولوجيا نهاية التاريخ أوّل استبدادها، وقد تهاوى الاتحاد السوڤييتي على شعوب الدنيا، إذ قذَفَت في نفوس «المثقّفاتية» مفهوماً جديداً للعمل الجماعي. روَّجت هذه الأيديولوجيا أنّ نماذج العمل الجماعي التي اخترعها الناس وأحسنوها منذ ثورة 1924؛ الجمعية الأدبية والنقابة والنادي والاتحاد المهني ولجنة التضامن وهلمّجَرّا، جميعها يحتويها مفهوم «المجتمع المدني» وعبارة «المنظمة غير الحكومية». وكتب المرحوم محمد، لله دَرُّه: «لم تَحْوِنا دهشةٌ ولم يشلّ تفكيرنا ارتباك»، وهي صياغة لـ«الاستقلال» لا تتأتَّى إلا لمِثله ممّن أخَذَ كتابَه بقوّة على صراط مستقيم.
تساءل المرحوم محمد، مستعيناً بشكسبير، عن مغزى هذا الاسم؛ «المجتمع المدني»، الذي أرادت به عصا أيديولوجيا نهاية التاريخ أن تُجهض كلَّ صورةٍ للنضال سوى التي تكرّ على مسبحتها، ونفذ مباشرةً إلى جوهر المسألة بغير تردُّد وبغير تعصُّب، إنما بحقّ مُبين، فكتب: نشأت هذه المنظمات «وتكاثرت كحلقاتٍ في شبكة مراكز ومؤسسات عالمية داعمة ومموِّلة». والعِبرة أنه، بينما قام النادي والاتحاد وقامت النقابة والرابطة ولجنة التضامن في تربة اجتماعية وطنية محلية؛ «حاضنة» بعبارة جارية – تغذِّيها بالمال والثقافة والعناصر البشرية، وتشكمها بالجَرْح والتعديل والتقويم، وتحاسبها على التقصير والمغامرة فتحيا وتموت بما بينها وهذه التربة من رابطةٍ «ديمقراطية» – قام المجتمع المدني الجديد، هذا «الكائن العجيب» بلفظ المرحوم محمد، في حلٍّ من هذه الآزِرَة؛ فالكيبل الذي يمدُّه بالحياة يتغذّى من مواردَ غير؛ موارد شبكة دولية هي في الحقيقة صِناعةٌ بحالها، «مشروع حضاري» بعبارة التسعينيات، أُسُّها وقاعدتُها الهيمنة الإمبريالية وإنْ تستَّرَت. واستخلص المرحوم محمد، لسلامة هذا «الكائن العجيب»، ممّا قرأ شروطاً ثلاثة، فكتب: قد تصحّ منظمات المجتمع المدني وتنجو من فخّ التبعية شرط «ألا تصبح استنساخاً شائهاً من الأصل في مجتمعات المنشأ أو فرعاً تابعاً وخاضعاً أو جهازَ استقبال وإرسال». والحقّ، إنها وقعت، إلا من رحم ربّي، في هذا الفخّ «جُمبُلغ».
لكنْ، لم يَقبل المرحوم محمد أن يترك هذا الفخَّ مفتوحاً كنقيصةٍ ذاتيةٍ وخلاص. ووَصَل هذا الانقلابَ، من نموذجِ «المناضل» الذي عاشه هو نفسه، واجباً مستمرّاً عبر عقود من الزمان، من أوّل شبابه حتى شيخوخته؛ واجب لا يَقبلُ فيه مَسْحَ شنبٍ بغير «المُقوِّي» من حلال الحزب الشيوعي، إلى نموذجِ «الناشط» الذي يفطر على مال السفارة الهولندية، ويتغدَّى بمال الورشة البريطانية، ويتعشّى في لوكاندة «بيت الحرية» الأمريكي، بتحوُّلٍ في الاقتصاد السياسيّ من نموذج الدولة الراعية إلى اقتصاد «الشَّلِب» بعقيدة الليبرالية الجديدة. خلَّف هذا التحوُّل جيشاً من «الخاسرين» لا مكانَ لمهاراتهم في الدعاية والترويج والتنظيم في سوق العمل، أكان قطاعاً عاماً أم خاصاً، وصار لهم «المجتمع المدني» في واقع الأمر سوقاً للعمل وجغرافيا كونيةً لكسب العيش، ونَضِجَ شُغلهم بنَسْخ مهارات التسويق السلعي، «اشتري اثنين واحصل على ثلاثة مجّاناً»، في مجال الدعاية الأيديولوجية والقضايا الفئوية الهوياتيّة، فالخير كلّه في مثليّة أفريقية سوداء، حقوق أطفال، حقوق إنسان، حقوق حيوان، صحافة مُناصَرة، علينا جاي، ورشة، سمنار، مؤتمر!
عاد المرحوم محمد، في آخر كلمته، إلى مفهومٍ تاريخيٍّ للمجتمع المدني من المدرسة الماركسية يقع موقعَ «الأدب» الذي فات على المسيو جوردان إدراك كنهه: «المجتمع المدني مسرحُ كلِّ التاريخ ومصدرُه ومقوِّمٌ وأساسيّ، يستوعب التبادل والتعامل المادّي والتجاري والصناعي بين الأفراد، وفي إطار مرحلة تاريخية معيّنة من تطوّر القوى المنتجة، يعبّر عن ذاته في شكل أمّةٍ في العلاقات الدولية، وينظّم نفسه في شكل دولةٍ في الداخل. تَبلوَر مصطلح المجتمع المدني في القرن الثامن عشر، عندما انسلخت علاقات التملُّك في المجتمع المشترك القديم والوسيط، وبهذه الصفة ينمو المجتمع المدني مع البرجوازية، التنظيم الاجتماعي المنبثق مباشرةً من الإنتاج والتجارة، والذي يشكِّل في كلّ المراحل قاعدةَ الدولة وبقية التركيب الفوقي». فيا هنتغتون، «مجتمع مدني» بتاع فنيلتك. أدرَك الموتُ المرحوم محمد فلم يَعِش ليشهد حَجَّ ساسة الفترة الانتقالية إلى كعبة فولكر بيرتس زُمَراً، كما لم يَشهد تبذُّل منظمات «المجتمع المدني» في حضرة المبعوث الأمريكي كأنه علي عبد اللطيف. وكان أدرَكَ بفطنته النضالية أنها بهذا الكساد تُحيِّد السياسة وتغلق باب الحرية. وللقارئة أن تَنْعَم بنظرة في عقل المرحوم محمد وبراح نفسه عبر هذه «الطاقَة»: