رأي

معادلة (فكي منقة) بالأرقام … كيف ينقذ القطاع البستاني ميزان المدفوعات؟

د. الهيثم الكندي يوسف

ينظر إلى الاقتصاد السوداني تاريخاً باعتباره اقتصاداً زراعياً بالدرجة الأولى، حيث تشكل الصادرات الزراعية مثل (السمسم والفول السوداني والصمغ العربي والمواشي) النسبة الأكبر من الصادرات غير البترولية – سابقاً – وغير الذهب – لاحقاً – (وتتراوح عادة بين 15% إلى 20% من جملة الصادرات الكلية صعوداً وهبوطاً حسب ظروف البلاد). وضمن هذا المكون الزراعي يبرز القطاع البستاني (الفواكه والخضروات)، حيث يستأثر بحصة واعدة تمثل ركيزة أساسية يمكنها إن وجهت بالشكل الصحيح أن تساهم في الاستقرار النقدي وتكبح جماح تدهور الجنيه السوداني عبر تقليص العجز المزمن في ميزان المدفوعات.

حين تحدث عضو مجلس السيادة السابق محمد الفكي سليمان في وقت سابق عن قدرة المانجو على تغطية ميزان المدفوعات، واجه قوله موجة من الاستخفاف والسخرية في الشارع فأطلق عليه لقب (فكي منقة). لكن من الناحية الاقتصادية والميزات التفضيلية، فإن قوله يحمل حقيقة اقتصادية وإن خانه التعبير في حصرها في منتج واحد بدلاً من القول إن المانجو والمنتجات البستانية الأخرى قادرة على إحداث توازن نوعي في الميزان التجاري.

تتميز المنتجات الزراعية السودانية خاصة الفاكهة بميزة يبحث عنها العالم اليوم بشدة، وهي أنها منتجات عضوية (Organic) طبيعية بالكامل، خالية من الهندسة الوراثية ولم تفسد طعمها وجودتها الأسمدة الكيميائية. ومع دخول أصناف جديدة مرغوبة عالمياً تحسنت إنتاجيتها كماً ونوعاً، وفي ظل التوقعات باتساع فجوة نقص الغذاء العالمي، فإن السودان يقف على إمكانات تصديرية قوية، لكنها للأسف غير مستغلة بسبب العوائق الهيكلية سابقاً بالإضافة لظروف الحرب الراهنة.

في الموسم الحالي يعيش المزارع والمنتج المحلي أوضاعا قاسية فرضتها ظروف الحرب، فقد شهدت البلاد زيادة كبيرة في إنتاج المانجو (حيث تتجاوز الطاقة الإنتاجية للبلاد في الظروف الطبيعية 900 ألف طن سنوياً، وتنتج الولاية الشمالية وحدها نحو 250 ألف طن). ولكن من ناحية أخرى تسببت الحرب في إرتفاع تكلفة الإنتاج وانخفاض الأسعار محليا وذلك للأسباب التالية:

-الإنخفاض الحاد في الطلب المحلي نتيجة غياب وهجرة ملايين السكان من المراكز الاستهلاكية الكبرى كالعاصمة وغيرها من المدن.
-ضعف القوة الشرائية للمواطنين المتبقين بسبب فقدان وظائفهم وتأثر مصادر الدخل.
-تأثر سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف النقل الداخلي، مما أدى إلى تلف كميات ضخمة في البساتين وإضعاف إيرادات المبيعات للمنتجين بشكل بات يهدد خروجهم من الإنتاج كلياً.

في المقابل يبعد الخليج العربي بضع مئات من الكيلومترات، وهو سوق ذو طلب هائل ومستمر على المنتجات البستانية، وتحديداً المانجو السودانية التي تحظى بقبول تاريخي لجودتها ومذاقها الفريد. المفارقة هنا أن الأسعار في أسواق الخليج تعادل حوالي 10 أضعاف الأسعار في السوق المحلي الراكد حالياً. وكمثال فان المملكة العربية السعودية تستورد سنوياً ما يزيد عن 4 مليون طن من الخصر والفواكه، وبقيمة تتجاوز 7.5 مليار دولار. وكذا الحال بالنسبة للسوق الأوروبية القريية منا نسبياً مقارنة بدول من أمريكا الجنوبية وغرب أفريقيا وشرق أسيا، والتي تصدر لأوروبا ما تقترب قيمته من المليار دولار من المانجو فقط. هنا تتحول الأزمة إلى فرصة، ويصبح التصدير طوق نجاة للمزارع السوداني ومصدر لرفد خزينة الدولة بالعملة الصعبة. ولتحويل هذا التحدي إلى فرصة حقيقية لصالح المنتج المحلي ولصالح الاقتصاد الكلي، لا بد من تبني عقلية اقتصادية مرنة تتجاوز البيروقراطية والنظرة اللحظية الضيقة، وتتخلص من قيود (سماسرة الصادر) وذلك عبر الآتي:
-تكوين جمعيات إنتاجية تعاونية: تهدف هذه الكيانات إلى تجميع المزارعين الصغار للقيام بعمليات التصنيع الزراعي مثل التجفيف وصناعة المركزات والتعبئة والفرز والتنسيق الجماعي لفتح أسواق الصادر.
-التحفيز الحكومي: على مؤسسات الحكومة ذات الصلة (وزارة التجارة والمالية وبنك السودان) التدخل بقرارات جريئة تشمل السماح للمنتجين بالتصدير المباشر بأشخاصهم دون اشتراط امتلاك أسماء أعمال أو سجلات تجارية تعرقل المزارع البسيط.
-الدبلوماسية المنتجة: علي سفاراتنا في الدول المستهدفة وعبر الملحقين الاقتصاديين أن يلعبوا دورهم في المساعدة في التسويق وتقديم كل ما يلزم من عون وذلك بالنسيق مع إتحاد أصحاب العمل وغرف مصدري الفاكهة.
-المرونة في حصائل الصادر والرسوم الحكومية: يمكن لبنك السودان في حالات الصادرات البستانية الاعتماد على نظام تحويل القيمة بعد البيع بالسوق الخليجي/ الأوروبي، على أن يتم استقطاع الرسوم الحكومية والضرائب مباشرة في ميناء التصدير (مع تخفيضها إلى الحد الأدنى الممكن) لتشجيع حركة الصادر وسرعتها قبل تلف المحصول.

إن نظرة الدولة إلى هذا القطاع يجب أن تكون نظرة عامة استراتيجية وليست نظرة جباية لحظية. فحين يستفيد المزارع من التصدير المباشر ويحقق عوائد مجزية، فإنه سيعود في المولسم القادمة بمساحات إنتاجية أكبر، وبعد فترة وجيزة ستجد الحكومة أن خزائنها ملئت بالعملات الأجنبية بطريقة تلقائية عبر تشجيع الإنتاج، وليس عبر خنق المنتجين بالرسوم والبيروقراطية.
إن المانجو هنا فقط مجرد نموذج وعينة لما يمكن أن تفعله بقية أصناف الإنتاج البستاني وبقية خيرات أرض السودان المعطاءة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى