فؤاد قباني
إذا كانت الخرطوم قلب السودان السياسي، فإن الأبيض هي قلبه الاقتصادي، وصُرَّة السودان التي تتلاقى عندها الطرق، وتتقاطع فيها المصالح، وتنبض بالحركة منذ قرون.
نشأت مدينة الأبيض بصورتها الحديثة عام 1821م في عهد الوالي التركي محمد سعيد، إلا أن تاريخها أقدم من ذلك بكثير، فقد ازدهرت في عهد مملكة المسبعات خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر، وكانت محطة رئيسية للقوافل التجارية التي تربط غرب السودان بوسطه وشماله، مما أكسبها مكانة تجارية مرموقة منذ وقت مبكر.
ولم يكن موقع الأبيض الجغرافي مجرد ميزة، بل كان أساسًا لدورها الوطني. فهي ملتقى أهم الطرق البرية التي تربط مختلف أقاليم السودان، فمنها طريق الأبيض – الدبيبات – الدلنج – كادقلي، وطريق الأبيض – النهود المؤدي إلى دارفور، وطريق الأبيض – بارا – جبرة الشيخ – أم كدادة – المزروب، الذي يتفرع غربًا نحو دارفور وشمالًا عبر الحمرة إلى ليبيا، إضافة إلى طريق الصادرات الذي يربطها بأم درمان ثم دنقلا ومصر، وطريق الأبيض – كوستي الذي يصلها بمدني وبورتسودان والخرطوم. ولذلك استحقت أن تُوصف بأنها عقدة المواصلات الرئيسية في السودان.
وتضم المدينة مطارًا دوليًا بمدرج قادر على استقبال مختلف أنواع الطائرات، وهو مطار احتياطي لمطار الخرطوم، ويمكن أن يؤدي دورًا اقتصاديًا مهمًا إذا أُعيد تشغيله بكامل طاقته، خاصة في تصدير اللحوم والثروة الحيوانية والمنتجات الزراعية إلى الأسواق الإقليمية والعالمية.
وتحتضن الأبيض أكبر سوق للصمغ العربي في العالم، كما تشتهر بصناعة زيوت الفول السوداني والسمسم، وتعد من أهم مراكز إنتاج وتجارة حب البطيخ والمحاصيل النقدية، الأمر الذي جعلها واحدة من أهم المدن التجارية في السودان.
ولمكانتها الاقتصادية، توجد بها فروع لجميع البنوك العاملة في السودان، ويُعد فرع بنك السودان بمدينة الأبيض من أهم فروع البنك بعد المقر الرئيسي في الخرطوم، لما يقوم به من دور في خدمة النشاط الاقتصادي والتجاري في إقليم كردفان وغرب السودان.
كما تضم المدينة محطة كبيرة للسكة الحديد، وورشًا للصيانة، ومحطات لشحن البضائع والماشية، وقد لعبت السكة الحديد دورًا تاريخيًا في نقل المنتجات الزراعية والثروة الحيوانية إلى موانئ التصدير، وربط الأبيض بمختلف أنحاء السودان.
وتضم الأبيض كذلك أكبر منطقة صناعية في غرب السودان، وقد اشتهرت بصناعة صناديق اللواري، وتصنيع قشارات الفول السوداني، وصيانة الشاحنات والآليات الزراعية، مما جعلها مركزًا صناعيًا يخدم الإنتاج الزراعي والحيواني والتجاري في إقليم كردفان وما حوله.
وحين تُذكر كردفان، تحضر الأبيض، وحين تُذكر الأبيض، تحضر شيكان؛ تلك الملحمة الخالدة التي هُزم فيها هكس باشا، وأشرقت منها بشائر انتصار الثورة المهدية، لتؤكد أن هذه المدينة لم تكن مركزًا اقتصاديًا فحسب، بل كانت أيضًا محطة فاصلة في تاريخ السودان ونضاله الوطني.
لقد كانت الأبيض، وما تزال، مدينة تجمع بين أصالة التاريخ وحيوية الاقتصاد، فهي بوابة غرب السودان، وجسر التواصل مع دارفور ودول الجوار، وعاصمة التجارة والإنتاج في إقليم كردفان.
إن الحديث عن مدينة الأبيض ليس حديثًا عن مدينة فحسب، بل عن مشروع وطني متكامل. فكل المقومات التي صنعت مجدها لا تزال قائمة: موقع جغرافي فريد، وتاريخ عريق، وثروات زراعية وحيوانية، وبنية تحتية يمكن إعادة تأهيلها، وشعب عُرف بالعمل والإنتاج والتجارة. وإذا حظيت الأبيض بالاهتمام الذي تستحقه، وأُعيد تأهيل مطارها، وسككها الحديدية، ومنطقتها الصناعية، وأسواقها الكبرى، فإنها قادرة على استعادة مكانتها بوابةً لغرب السودان، ومركزًا للصناعة والتجارة والصادرات، وإحدى أهم قاطرات التنمية الاقتصادية في السودان.
ولذلك فإن الاستثمار في الأبيض ليس استثمارًا في مدينة بعينها، بل هو استثمار في مستقبل السودان كله، لأنها كانت وستظل قلبه الاقتصادي النابض، وصُرَّته التي تلتقي عندها الجغرافيا بالتاريخ، ويلتقي فيها الماضي العريق بالمستقبل الواعد.