على مدى العقد الماضي، تحولت دولة الإمارات العربية المتحدة من دولة خليجية حذرة إلى أحد أكثر الفاعلين الجيوسياسيين جرأة في الشرق الأوسط. ولم تعد أبوظبي تكتفي بالدبلوماسية الهادئة، بل باتت تشكّل بفاعلية مسارات الصراعات والتحالفات والنتائج السياسية في مختلف أنحاء المنطقة، من القرن الأفريقي إلى بلاد الشام.
في قلب هذا التحول يكمن تقارب استراتيجي متزايد مع إسرائيل. هذا التقارب لا يقتصر على التطبيع الدبلوماسي في إطار «اتفاقات إبراهيم»، بل يمثل اندماجًا عمليًا يشمل الأمن والاستخبارات والتكنولوجيا والمال واللوجستيات والتدخلات الإقليمية. وأصبح هذا التوافق يؤثر اليوم في مسارات الأحداث في اليمن والسودان وسوريا ولبنان والعراق والبحر الأحمر، بل وحتى في التوازنات الداخلية لمجلس التعاون الخليجي.
لم تعد الإمارات وسيطًا بين الكتل المتصارعة، بل أصبحت عقدة داخل إحدى هذه الكتل، مندمجة في البنى الاستراتيجية الغربية والإسرائيلية، وتؤدي دور المنفّذ الإقليمي لها على نحو متزايد.
اصطفاف الإمارات مع إسرائيل عبر ساحات الصراع الإقليمي
تشترك الإمارات وإسرائيل في رؤية استراتيجية متقاربة للشرق الأوسط: كلتاهما تفضلان منطقة تهيمن عليها السلطة المركزية، ومجتمعات منزوع عنها الطابع السياسي، ومجال سياسي مضبوط، وتحجيم منهجي للحركات الشعبية أو القومية أو الإسلامية أو المقاومة التي قد تتحدى الهرميات الإقليمية القائمة.
ويتجلى هذا التلاقي عبر عدة ساحات:
اليمن
لم يقتصر تدخل الإمارات على مواجهة الحوثيين، بل أنشأت بنية سلطة موازية في جنوب اليمن، وسيطرت على موانئ مثل عدن والمكلا، ودعمت مليشيات كالمجلس الانتقالي الجنوبي، ما أدى إلى تفكيك السيادة إلى مناطق يمكن التحكم بها. إسرائيل، وإن لم تكن حاضرة علنًا، تستفيد استراتيجيًا من تحييد قوى قد تهدد باب المندب وخطوط الملاحة في البحر الأحمر. اليمن يُدار هنا كـ«بنية تحتية» لا كدولة.
السودان
يتقاطع الدعم المالي والسياسي الإماراتي لقوى مسلحة خلال انهيار الدولة السودانية مع مصلحة إسرائيل في منع نشوء دولة موحدة مستقلة قادرة على التحكم في الوصول إلى البحر الأحمر، وسياسات مياه النيل، والدبلوماسية الأفريقية. التفكك أسهل إدارة من السيادة.
سوريا
التطبيع الانتقائي الذي قادته أبوظبي، عبر إعادة فتح السفارات والدفع نحو إعادة اندماج محدود دون استعادة السيادة، ينسجم مع تفضيل إسرائيل لسوريا ضعيفة، مقيّدة خارجيًا: مُطبَّعة بما يكفي للسيطرة عليها، ولكن غير قوية بما يكفي للمقاومة.
لبنان
تتعامل الإمارات مع أي قوة تقاوم الهيمنة الإسرائيلية أو الغربية بوصفها عنصرًا مزعزعًا للاستقرار، بغض النظر عن قاعدتها الاجتماعية أو الانتخابية. هذه المقاربة الأمنية الصِرفة تختزل لبنان من مجتمع سياسي إلى «مشكلة احتواء»، بما يتطابق تمامًا مع المنطق الاستراتيجي الإسرائيلي.
العراق
في العراق، تدعم الإمارات قوى سياسية واقتصادية مرتبطة برأس المال الغربي والاندماج الخليجي، وتسعى في المقابل إلى تهميش حركات المقاومة الشعبية والسياسات الاقتصادية المستقلة، ما يحوّل السيادة إلى تبعية.
هذا لا يعني امتلاك الإمارات سيطرة مطلقة. فالفاعلون المحليون يحتفظون بهوامش فعل، ويقاومون أحيانًا، ويعطّلون المخططات الخارجية. لكن الاتجاه البنيوي للسياسة الإماراتية بات واضحًا لا لبس فيه.
دور الإمارات في الحرب الإسرائيلية على غزة
منذ 7 أكتوبر 2023، اعتمدت الإمارات موقفًا محسوبًا يجمع بين إبداء القلق العلني إزاء معاناة المدنيين في غزة، وبين الاصطفاف العملي مع الإطار الاستراتيجي للولايات المتحدة وإسرائيل. لم تُعلّق أبوظبي التطبيع، ولم تسحب سفيرها، ولم تُخفض مستوى العلاقات السياسية مع إسرائيل في أي مرحلة من مراحل الحرب. واستمر الانخراط الدبلوماسي والتبادل الاقتصادي والتعاون الأمني المنبثق عن اتفاقات إبراهيم دون انقطاع، ما يؤكد الدور المركزي لإسرائيل في الاستراتيجية الإقليمية الإماراتية.
وشملت المبادرات الإنسانية الإماراتية مستشفيات ميدانية وقوافل مساعدات وإجلاء طبي، لكنها نُفذت عبر آليات منسقة ومصرّح بها إسرائيليًا وأمريكيًا. هذا النهج خفف الضغط الإنساني، لكنه أبقى السيطرة الإسرائيلية على الدخول والتفتيش والإيقاع الزمني للعمل الإنساني، بما جعله مكملًا للحملة العسكرية لا مقيدًا لها. وفي الأمم المتحدة، ركزت الدبلوماسية الإماراتية على المسارات الإنسانية ولغة وقف إطلاق النار وتسهيل المساعدات، مع تجنب أي آليات تنفيذ أو مساءلة قد تتجاوز الخطوط الحمراء الأمريكية أو تحد من حرية الحركة الإسرائيلية.
والأهم، أن الإمارات تجنبت أي انخراط سياسي جاد مع فصائل المقاومة الفلسطينية، بما فيها حماس، وطرحت أي دور «لليوم التالي» في غزة ضمن شروط تتعلق بالحكم المُعاد تشكيله ونزع السلاح والأفق السياسي، وهي شروط تستبعد المقاومة المسلحة ضمنيًا. ويتوافق هذا الموقف مع الأهداف الأمريكية–الإسرائيلية لإعادة صياغة نظام ما بعد الحرب في غزة دون حماس كقوة حاكمة.
بالمحصلة، تعكس السياسة الإماراتية مزيجًا من اعتراض إجرائي فوقي، مع تأييد بنيوي عميق: إشارات إنسانية ودبلوماسية لإدارة الشرعية الإقليمية، مقابل تعاون سياسي واقتصادي وأمني متواصل يرسخ موقع الإمارات داخل البنية الاستراتيجية الأمريكية–الإسرائيلية.
المنافسة الإماراتية–السعودية ومشروع قيادة محمد بن زايد
يخدم هذا الاصطفاف طموحًا أعمق: محاولة محمد بن زايد إعادة تموضع أبوظبي كمركز سياسي وعسكري واقتصادي للعالم العربي، على حساب الدور القيادي التقليدي للسعودية.
القيادة السياسية
في حين اعتمدت السعودية تاريخيًا على الشرعية الدينية والحجم والإرث، يقدم محمد بن زايد نموذج السلطوية التكنوقراطية، والنشاط العسكري، والاصطفاف الكامل مع المنظومات الغربية والإسرائيلية. وتوفر إسرائيل أدوات لم تكن متاحة للرياض سابقًا: الوصول الاستخباراتي، والقدرات السيبرانية، والتكنولوجيا العسكرية، والضغط في واشنطن.
القيادة الأمنية
تسوّق الإمارات نفسها بوصفها المنفذ الأكثر موثوقية للنظام الإقليمي، المستعد للتدخل والتمويل والقمع وإعادة الهيكلة السياسية بما يتوافق مع المصالح المهيمنة.
القيادة الاقتصادية
تسعى أبوظبي للهيمنة على مجالات اللوجستيات والتمويل والذكاء الاصطناعي والموانئ وممرات التجارة، عبر دمج التكنولوجيا الإسرائيلية مع رأس المال الإماراتي، لتقديم نفسها بوصفها «عاصمة المستقبل» للمنطقة.
إلى جانب الاصطفاف المشترك مع الولايات المتحدة، يتشكل التعاون الإماراتي–الإسرائيلي أيضًا حول هدف متقارب: تحجيم قدرة تركيا على العمل كقوة إقليمية مستقلة.
فتركيا ليست مجرد فاعل آخر، بل تمثل عامل إرباك بنيوي: دولة تجمع بين قدرة عسكرية مستقلة، واستقلال دبلوماسي، وشرعية سياسية داخلية، واستعداد للعمل خارج الأطر الغربية أو الإسرائيلية أو الخليجية. بالنسبة لأبوظبي وتل أبيب، تشكل تركيا تحديًا ومنافسًا في آن، إذ تتعارض مع مشاريعهما الاستراتيجية.
وقد تُرجم ذلك إلى جهود منسقة لإضعاف النفوذ التركي في عدة ساحات:
سوريا
يشكل الوجود العسكري التركي في شمال سوريا عائقًا أمام قدرة إسرائيل على الهيمنة الكاملة على المسرح السوري. ما دامت تركيا متمركزة هناك، لا يمكن تحييد سوريا سياسيًا واستراتيجيًا بالكامل.
شرق المتوسط
يُربك الموقف البحري التركي النشط، وتوسعها البحري، ودبلوماسيتها الطاقوية، الطموحات الإسرائيلية والاستثمارات الإماراتية في ممرات الطاقة والتجارة. رفض أنقرة لمنتديات الغاز الإقصائية يعيق تثبيت السيطرة الإسرائيلية–الإماراتية على شبكات الطاقة والبنية التحتية.
القرن الأفريقي
يحدّ الوجود التركي في الصومال والسودان وإثيوبيا من محاولات السيطرة على منافذ البحر الأحمر والموانئ وخطوط التجارة. حيث تسعى الإمارات وإسرائيل إلى عقد قابلة للتحكم، تطرح تركيا شراكات سيادية.
وهكذا، لا يعمل هذا المحور فقط على توسيع النفوذ، بل على تحييد قطب إقليمي بديل تقوض استقلاليته حرية حركتهما.
اعتراف إسرائيل بأرض الصومال وتوسيع النفوذ الإماراتي
يمتد التعاون الإماراتي–الإسرائيلي إلى القرن الأفريقي، حيث يخدم اعتراف إسرائيل بأرض الصومال هدفين استراتيجيين متكاملين. فبالنسبة لأبوظبي، تمثل أرض الصومال موطئ قدم في ممر البحر الأحمر، يتيح التحكم في طرق التجارة والموانئ واللوجستيات بعيدًا عن هياكل الدول ذات السيادة. وبالنسبة لإسرائيل، يعزز هذا الاعتراف عمقها الاستراتيجي عبر نقاط وصول استخباراتية وعسكرية وتحالفات إقليمية.
ويجسد هذا المثال منطق المحور الإماراتي–الإسرائيلي: استغلال الفتحات الجغرافية والدبلوماسية لتوسيع النفوذ، وتفكيك السلطات المحلية، ودمج العقد الإقليمية ضمن شبكة خاضعة للسيطرة، مع تغليف ذلك بشرعية شكلية وتعاون ثنائي.
الخطأ الاستراتيجي: الاستعانة بالقوى الخارجية ضد الإقليم نفسه
تحمل هذه الاستراتيجية كلفة خفية.
فبينما تكسب الإمارات نفوذًا عبر الاصطفاف مع القوى المهيمنة خارجيًا، فإنها تخسر جزءًا من استقلالها.
التاريخ واضح:
القوى المهيمنة تدعم الحلفاء المحليين طالما كانوا مفيدين.
وعندما تتغير المصالح، يتحول الحلفاء إلى عبء.
الأنظمة القائمة على القمع والدعم الخارجي هشة بطبيعتها.
وتخاطر الإمارات بأن تصبح:
معزولة عن الشرعية الشعبية العربية
معتمدة على ضمانات أمنية أجنبية لا تتحكم بها
عرضة للتخلي المفاجئ عند تبدل الأولويات
إن النفوذ هنا يُشترى بثمن السيادة.
القوة بلا شرعية ليست قيادة
صعود الإمارات حقيقة واقعة. وتنسيقها مع إسرائيل استراتيجي لا رمزي.
لكن الهيمنة ليست قيادة.
فالقيادة تتطلب شرعية، وتتطلب قبولًا، وتتطلب اندماجًا لا إدارة.
ومن خلال إعادة تشكيل الشرق الأوسط عبر السيطرة بدل التعاون، والتراتبية بدل الشراكة، والتحالفات الخارجية بدل التضامن الإقليمي، قد تحقق أبوظبي مكاسب تكتيكية، لكنها تبني نظامًا هشًا استراتيجيًا.
الخطر الأكبر ليس رد الفعل، بل التحول إلى كيان غير ذي صلة لحظة تغيّر موازين القوة.
فالقوة غير المتجذرة محليًا لا تصمد أمام الزلازل الجيوسياسية. والزلازل… لا بد أن تأتي.