تقارير

ما دوافع تصاعد استخدام المسيّرات في حرب السودان؟

الأحداث – تقرير
في حي بري شرقي العاصمة السودانية الخرطوم، تبدو آثار هجوم بطائرات مسيّرة شنته قوات الدعم السريع ماثلة على جدران المباني التي شملها الاستهداف.

أجزاء من الجدران انهارت، فيما تناثرت الأنقاض داخل المباني، وامتلأت جدران أخرى بثقوب خلّفتها الشظايا في محيط مقر مجمع إسلامي في حي امتداد ناصر شرقي مطار الخرطوم.

ويكشف هذا المشهد جانبا من آثار الضربات التي استهدفت المنطقة، ويعيد إلى الواجهة المخاطر التي تواجه المدنيين مع انتقال هجمات المسيّرات إلى الأحياء السكنية.

كلفة إنسانية
ويروي أحمد عبد الحميد، وهو أحد سكان حي امتداد ناصر، للجزيرة نت، أنهم سمعوا أزيز الطائرات المسيّرة في السماء، لكنهم لم يعيروه اهتماما في البداية. ومع سماع أصوات المضادات الأرضية، بدأ القلق يتسلل إليهم، قبل أن يدوّي انفجاران.

وأسفر الهجوم -الذي وقع الاثنين الماضي- عن مقتل أربعة أشخاص بينهم ثلاثة أطفال من أسرة واحدة وإصابة والدتهم بجروح حرجة، وفق مصادر طبية.

وتسلط هذه الحصيلة الضوء على الكلفة الإنسانية للهجمات التي تستهدف المناطق المأهولة، حيث يجد المدنيون أنفسهم في مواجهة أخطار الضربات وما تخلفه من خسائر وأضرار.

ولم تقتصر الهجمات بالطائرات المسيّرة على العاصمة الخرطوم، إذ وقعت أخرى -خلال الأيام الماضية- في مناطق عدة من أقاليم دارفور وكردفان والنيل الأزرق، والقضارف وخشم القربة بشرق السودان والنيل الأبيض في جنوب البلاد.

تحوّل
وشملت المواقع المستهدفة مناطق سكنية ومنشآت حيوية، من بينها مرافق للكهرباء، مما يوسع نطاق المخاطر التي يتعرض لها المدنيون، ويثير مخاوف من استمرار تضرر الخدمات الأساسية.

ويطرح اتساع استخدام المسيّرات تساؤلات بشأن دوافع التصعيد ودورها المتزايد في العمليات العسكرية.

وخلال الأيام الماضية، كثف الجيش السوداني وقوات الدعم السريع استخدام المسيرات، في تطور عده مراقبون وخبراء تحولا نحو العمليات الاستباقية بعيدة المدى، لإنهاك الخصم وقطع إمداداته وإرباك خططه.

اتهامات متبادلة
من جانبه، قال المتحدث باسم قوات العمل الخاص التابعة للجيش السوداني في كردفان محمد ديدان -في منشور عبر منصة “فيسبوك”- إن الجيش شنّ 75 غارة جوية استهدفت مواقع ثابتة وأهدافا متحركة، إلى جانب قوات مشاة وآليات وقادة وأفراد من قوات الدعم السريع، في إقليم كردفان وغرب دارفور وجنوبها.

وربط ديدان الهجمات الأخيرة للدعم السريع على الخرطوم بمقتل نحو 80 من المستنفرين للقوات في ضربات استهدفتهم بمنطقة الدبب في غربي كردفان.

وكانت أكثر الهجمات دموية في منطقة “أبيي” المتنازع عليها بين السودان وجنوب السودان؛ حيث قالت الإدارة المدنية التابعة لجوبا أن هجوما بالمسيرات على سوق النعام بالمنطقة أدى إلى مقتل 153 شخصا.

وقال مسؤول سوداني -للجزيرة نت- إن الجيش لا يستهدف المدنيين، ولكنه اعتبر كل المواقع العسكرية واللوجستية وخطوط الإمداد للدعم السريع أهدافا مشروعة.

واتهم المسؤول الحكومي -الذي طلب عدم الإفصاح عن هويته- قوات الدعم السريع باستهداف أعيان مدنية، كما حدث في مطار الخرطوم ومحطات الوقود في الدمازين ومحطة الكهرباء التحويلية في مدينة “تندلتي” بولاية الأبيّض الثلاثاء الماضي، مما أدى إلى إظلام مدن بالولاية وولاية شمال كردفان المجاورة لها.

ضغط وإرباك
ويرى خبراء ومحللون عسكريون أن تصعيد قوات الدعم السريع لاستخدام المسيرات فرضته التحولات الميدانية والضغط المتزايد الذي يمارسه الجيش بناءً على معطيات أبرزها:

تزايد العمليات النوعية وتقدم الجيش وخصوصا في محاور كردفان وغرب دارفور، مما دفع الدعم السريع إلى اللجوء للمسيرات كأداة ضغط لإجباره على توزيع جهوده ودفاعاته الجوية لحماية مقراته الخلفية.
استهداف محطات الطاقة، ومخازن الإمداد، أو القواعد المتاخمة لخطوط القتال، بهدف إرباك خطط الجيش الهجومية وحرمانه من الاستقرار الميداني اللازم لتنفيذ هجمات واسعة.
بالتزامن مع تلقّي قوات الدعم السريع ضربات موجعة بالمسيرات في معاقلها الرئيسية، يأتي إطلاقها للمسيرات نحو مناطق سيطرة الجيش لفرض معادلة الردع ورفع الروح المعنوية لقواتها وحاضنتها.
محاولة نقل الرعب وعدم الاستقرار إلى المدن الآمنة نسبيا الواقعة تحت سيطرة الحكومة، بهدف الضغط على القيادة العسكرية والسياسية وإشاعة الشعور بعدم الأمان.

رسائل ردع
وبحسب تقديرات عسكرية، فإن إستراتيجية الجيش اعتمدت في الفترة الأخيرة على نقل المعركة إلى عمق مناطق سيطرة قوات الدعم السريع في دارفور وكردفان عبر الطائرات المسيرة والضربات الدقيقة، وذلك لشل حركة الإمداد وتدمير مراكز التخزين، وإن كان هذا التحول قد ضاعف أيضاً التعقيدات الإنسانية والانتقادات الحقوقية بسبب وقوع أضرار في مناطق واسعة، وفقا للمحللين.

ويعتقد الخبير العسكري أبو بكر عبد الرحيم -في حديث للجزيرة نت- أن تكثيف الجيش لضربات المسيرات في عمق إقليميْ كردفان ودارفور يندرج ضمن إستراتيجية التمهيد الناري، والقطع اللوجستي، واستنزاف العمق، للأسباب الآتية:

استهداف مراكز القيادة والسيطرة، ومستودعات الوقود والذخيرة، وطرق الإمداد الرئيسية خاصة المرتبطة بالحدود مع ليبيا وتشاد وجنوب السودان.
تسعى قيادة الجيش -من خلال هذه الضربات بعيدة المدى- إلى إضعاف قدرة الدعم السريع على تجميع قواتها وشن هجمات مضادة، أو استعادة المناطق الإستراتيجية التي فقدتها.
إقليم دارفور شاسع المساحة وتفصله عن مناطق تمركز الجيش الحالية في كردفان مسافات صحراوية وطرق طويلة ومكشوفة عسكريا، مما يجعل التقدم البري أمرا بالغ التعقيد دون غطاء هندسي وجوي ولوجستي ضخم.
استهداف مواقع في مدن مثل نيالا التي تعد ثقلا سياسيا وإداريا وعسكريا لقوات الدعم السريع في دارفور يهدف إلى ضرب معنوياتهم، وإشعارهم بعدم الأمان حتى في مناطق سيطرتهم الخلفية، وتعطيل أي مساع لتثبيت كيانات إدارية موازية.

21 طرازا من المسيرات
أصدرت منظمة “سي آي آر” المعنية بالتحقيقات عبر المصادر المفتوحة تقريرا استقصائيا نُشر في منتصف أكتوبر الجاري، سلطت من خلاله الضوء على خريطة استخدام الطائرات المسيرة منذ اندلاع الحرب في السودان قبل أكثر من 3 سنوات.

وحدد التقرير وجود 21 طرازا من الطائرات المسيرة التي تم استخدامها في العمليات الميدانية المختلفة. وأوضح أنها تتوزع في تصنيعها على ست دول رئيسية هي: بيلاروسيا، وإيران، والصين، وروسيا، والسودان، وتركيا.

ووفقا للتحقيق، فإن قوات الدعم السريع استخدمت 10 أنواع مختلفة من الطائرات المسيرة. وفي المقابل، استخدم الجيش السوداني 5 أنواع منها. بينما جرى استخدام الأنواع الباقية في مهمات أخرى حسب مواصفاتها.
نقلا عن “الجزيرة نت”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى