مرت أيام منذ أن بدأ طوفان الأخبار والكتابات وردود الأفعال عن مؤتمر الحوار السوداني-السوداني، ولم يُسمع للحركة الإسلامية صوت، رغم أنها كانت مدار أغلب الحوارات التي دارت خلال الأيام الماضية. اعجبنى هذا الموقف فليس من شِيَم الحركات والتنظيمات المحترمة أن تلهث خلف السوشيال ميديا للتعليق الفوري على ما يُنشر فيها، بل تتريث وتجتمع وتفكر، ثم تصدر موقفًا ثابتًا نتيجة لتداول داخلي.
وفي هذه الفرصة التي أُتيحت قبل صدور موقف الحركة، أقترح على قيادتها إصدار بيان يخاطب قيادة الجيش والشعب على النحو التالي:
بسم الله الرحمن الرحيم بيان توضيح موقف الحركة الإسلامية السودانية. أولًا: نسجل إشادتنا بالجيش وقيادته التي لم تخضع لضغوط وإملاءات الخارج وتصدت لمؤمرات الخارج والحرب التى فرضت عليها وظلت على موقفها الرافض لأي هدنة قبل الاستجابة للشروط التي طرحتها حكومة السودان لوقف الحرب، وهو الموقف الذي ظل موضوع دعمنا بصورة متصلة طوال الفترة الماضية. ثانيًا: إننا، بصورة مبدئية وقاطعة، نرحب بالحوار السوداني-السوداني الذي دعت له الدولة بالداخل، ولطالما دعت الحركة إلى نقل موائد الحوار للداخل، تجنبًا للتدخلات الأجنبية وفرض الأجندات. وهذا ترحيب ودعم غير مشروط بمشاركتنا في ذلك الحوار من عدمها، إذ يعنينا في المقام الأول أن يلتقي السودانيون على كلمة سواء، لما فيه خير البلاد والعباد. وننصح بعدم استثناء أي طرف، لمصلحة الحوار نفسه، إلا أن ذلك لن يدفعنا إلى رفض الحوار أو اتخاذ موقف معارض له. كما نوضح أن موقفنا من الحوار لا يعني بالضرورة قبولنا بأي ترتيبات سياسية تترتب عليه. إننا، منذ بداية التغيير وبعد اجتماع آخر مجلس شورى للحركة الإسلامية، حددنا استراتيجيتنا بوضوح: أننا مع الدولة ومؤسساتها وجيشها… وأكدنا أننا لا نسعى إلى السلطة، وأن طريقنا إليها سيكون عبر رضا الشعب وصندوق الانتخابات، لا بأي وسيلة أخرى. وظل هذا الموقف ثابتًا طوال السنوات السبع الماضية، رغم ما تعرضت له الحركة من ظلم وتنكيل بعضويتها، وحظر غير قانوني لحزبها. إن الموقف الذي تتخذه الحركة اليوم هو ذات موقفها الذي اتخذته قبل أربعين عامًا، حين صالحت نظام النميري؛ إذ لم تطالب وقتها الحركة بموقع ولا مناصب، ولم تنخرط مع النظام في حوار لقسمة السلطة، إنما طالبت بأن تنفتح الحريات العامة، ويخلي النظام بينها وبين الشعب، وذلك ما طالبت وحرصت عليه الحركة، وذلك ما جرى. أما في الفترة الانتقالية الحالية، فإن رسالتنا ذاتها: طريقنا الوحيد إلى السلطة هو رضا الشعب عبر صندوق الانتخابات. وما يعنينا هو الفضاء السياسي والمناخ الذي تعمل فيه الحركة السياسية، والذي ينبغي أن ينفتح للحريات العامة لكل الفاعلين السياسيين. مرة اخرى لا يعنينا حوار لم نُدعَ إليه ولن نشارك في أي حكومة خلال الفترة الانتقالية. ثالثًا: رسالتنا للشعب السوداني هي أننا معكم في خندق واحد، خندق حرب الكرامة، حتى ينتصر جيشكم. عهدنا معكم أن ندافع عن وطننا السودان بأرواحنا، كما فعلنا منذ أن بدأت الحرب وإلى الآن، وإلى أن ينتصر جيشنا الباسل المجاهد. لن تصرفنا جدالات السياسية عن مهمتنا المقدسة تلك، ولن ينحرف بنا الغضب بسبب ظلم بائن جرى بحقوقنا المشروعة. ولن ننجر إلى صراعات مع القوى السياسية أو مع الدولة ونحن في أتون المعركة المصيرية. تركيزنا في ميادين القتال حتى النصر بإذنه، والذي نرى غده المشرق قريبًا. رابعًا: رسالتنا للجيش الباسل… نحن معكم في ذات الخندق وذات الموقف، ولن نخذلكم أو نرفع أيدينا عن البنادق إلى أن تحققوا نصركم ونصر الوطن المؤزر. تعرفون الأيادي التي قاتلت معكم وسارعت لنصرتكم ونصرة وطنها، وتعرفون الأيادي الآثمة التي خانت الجيش واغتالت أنضر شبابه في اللحظات الأولى من الحرب؛ رفاقكم الذين تعرفونهم، والذين من بعدهم لا تزال دماء أرتال الشهداء في سهول كردفان ندية. ولذا، فإن أي إشاعات مغرضة بأن الحركة، لأي سبب، ستتخلى عن دماء الشهداء أو تنسحب من المعركة، فذلك كذب وافتراء. سنحقق النصر معكم، أو نقبر سويًا في ذات الخنادق التي نعمرها الآن بالذكر والدعاء. خامسًا: للخارج… نعلم أنكم تكيدون للحركة الإسلامية كيدًا تزول منه الجبال. لم تتركوا عدوًا لها إلا نصرتموه بالمال والسلاح، ولم تتركوا عقوبات إلا وسلطتموها عليها وعلى عضويتنا، ولم تتركوا تهمة إلا دمغتمونا بها. ولم تتركوا سبيلًا لعزلها عن الحركة السياسية المباحة لكل التنظيمات والأحزاب، إلا وحرضتم وضغطتم لأجلها. نحن ندرك مصدر عداوتكم وكنهها… ونعلم أنكم لن ترضوا عنا حتى نتبع ملتكم، ذلك ما أخبرنا به كتابنا الكريم… وهيهات. افعلوا ما شئتم، وتآمروا ما استطعتم علينا وعلى وطننا، وخونوا كل المواثيق التي كتبتموها بأيديكم، ولكننا نوقن أن الله لا يهدي كيد الخائنين، ولن يجعل لكم على المؤمنين سبيلًا. سادسًا: رسالتنا لعضوية الحركة الإسلامية: نعلم أنكم تدركون حجم التحديات التي واجهتها الحركة قبل التغيير وبعده، ومدى التآمر الدولي والمحلي الذي سرّع بالتغيير ودعمه، وكيف ظلت الحركة تكافح لأجل البقاء، مع مجانبتها لأي صدام مع من قادوا التغيير. وتعلمون الثمن الذي دفعناه لأجل ذلك، من صبر على التآمر على الحركة وعلى وطننا السودان حتى وصلوا لشن هذه الحرب عليه. لقد رأى الشعب وقفتكم بجانب جيشكم للدفاع عن بلادكم، وهي وقفة سيذكرها لكم التاريخ، وفي ميزان حسناتكم. تلك الوقفة التي دفعتم ثمنها آلاف الشهداء، حين طلبتم الشهادة بلا منٍّ ولا أذى، ولا لأجل دنيا أو سلطة زائلة؛ زهدتم فيها، واشتاقت أرواحكم للجنة، ولا زلتم على العهد مرابطين في ثغور وطنكم. ستظل التحديات ماثلة، ولكن موقفنا هو ذات الموقف. لن تثنينا أي محاولات لعزل الحركة أو الإضرار بسمعتها عن هدفنا الأسمى، وهو تحرير الوطن. فلا تلتفتوا إلى أي شائعات تفتّ من عضدكم ووقفتكم بجانب وطنكم، دفاعًا عنه وصونًا لكرامته. ختامًا، نجدد عهدنا أمام الله ثم أمام شعبنا السوداني الصابر، أن نظلَّ درعًا حصينًا للوطن؛ لن تزيدنا محاولات التشويه، وسهام التآمر إلا ثباتًا ويقينًا. إن قضيتنا اليوم ليست سلطةً نرجوها، بل وطنٌ نحميه ونذود عن حياضه، وكرامةٌ نستميت في سبيل استعادتها. نحن لا نطلب ولا نسعى لسلطة خلال الفترة الانتقالية، ولن نشارك في حكومتها، وسنواصل دعم الجيش والدفاع عن الوطن، وندعو إلى حوار سوداني شامل لا يستثني أي طرف، وإلى تهيئة مناخ سياسي قائم على الحريات العامة، وصولًا إلى انتخابات حرة يختار فيها الشعب من يراه أهلًا لقيادة البلاد. نمضي في طريقنا واثقين بنصر الله، مستبشرين بطلائع التحرير، مؤمنين بأن الفجر سيشرق قريبًا على سودانٍ آمنٍ ومستقر، يعود لأبنائه المخلصين، ليبقى عزيزًا شامخًا، وعصيًّا على الانكسار. والله من وراء القصد. ملحوظة: إذا قبلت الحركة الإسلامية مقترح البيان ووافقت على نشره، فلا بد أن تتفق معي أولًا على الأتعاب… موضوع «هي لله» هذه المرة؛ انسوه شويه*.