لم تسقط “أسطورة السمسم” وحدها… بل سقط معها منطق الاقتصاد

نعمان يوسف محمد

لم يكن ما ورد في مقال الأخ الأستاذ مهند عوض، عن تراجع السمسم السوداني في السوق العالمي مجرد عرض لأرقام صادمة، بل كان في حقيقته جرس إنذار متأخر لخلل أعمق بكثير من حدود محصول أو سوق. فالقضية، في جوهرها، لا تتعلق بانهيار “أسطورة السمسم” بقدر ما تكشف عن انهيار في طريقة إدارة الاقتصاد نفسه.

لقد قدّم المقال تشخيصًا دقيقًا للحظة السقوط: تراجع حاد في الحصة السوقية من نحو 30% إلى أقل من 2% في السوق الصيني خلال سنوات قليلة . هذه ليست خسارة تجارية عابرة، بل خروج شبه كامل من أهم سوق عالمي لسلعة كان السودان أحد أعمدتها. لكن السؤال الأهم ليس هو ماذا حدث؟ بل: لماذا حدث بهذه السرعة؟ ولماذا عجزت الدولة عن إيقافه؟

حين تنهار الأسطورة – كيف بدأ السمسم السوداني يفقد عرشه العالمي؟

الإجابة لا تكمن في الحقول، بل خارجها تمامًا.

فالسمسم السوداني لم يفقد جودته، ولم تتدهور خصوبة الأرض، ولم تختفِ الخبرة الزراعية. ما فُقد هو ما هو أكثر حسمًا في اقتصاد اليوم: القدرة على المنافسة. هذه القدرة لا تُقاس فقط بالإنتاج، بل بتكلفة الوصول إلى السوق، وبالاستقرار، وبالقدرة على الالتزام بالتعاقدات.

وهنا تحديدًا تبدأ القصة الحقيقية.. لقد تحولت سلسلة إنتاج السمسم في السودان إلى ما يشبه “رحلة استنزاف” تبدأ من الحقل ولا تنتهي عند الميناء. رسوم متعددة، جبايات متراكمة، تكاليف نقل متصاعدة، وزمن مهدور… كلها عوامل تتجمع لتنتج في النهاية سلعة تفقد ميزتها السعرية بالكامل. وحين يصبح الفارق في السعر مئات الدولارات للطن، كما أشار المقال، فإن السوق لا يتردد في استبدال المَصدر المُورّد، لأن التجارة لا تعترف بالتاريخ، بل بالكفاءة.

غير أن الأزمة لا تقف عند حدود التكلفة. الأخطر هو ما يمكن تسميته بـ”التشوه المؤسسي”. فبدلًا من وجود سياسة تصديرية متماسكة، نجد قرارات متفرقة تصدر من جهات متعددة، دون تنسيق أو رؤية مشتركة: ولاية ترفع الرسوم، وبنك مركزي يقيّد التمويل، وسياسات نقدية تُفرض بمعزل عن واقع السوق. النتيجة ليست فقط ارتفاع التكلفة، بل خلق بيئة طاردة للنشاط الاقتصادي نفسه.

وفي قلب هذه البيئة، جاءت السياسات النقدية لتُكمل المشهد. حين تُجبر الشركات على توريد حصائل صادراتها بأسعار صرف لا تعكس الواقع، فإن ذلك لا يعني تقليل أرباحها فحسب، بل يعني عمليًا نقل الخسارة إليها. وهذا النوع من السياسات لا يؤدي إلى زيادة الموارد، بل إلى نتيجة معروفة في الأدبيات الاقتصادية: خروج النشاط من القنوات الرسمية، وتراجع الصادرات، واتساع السوق الموازي.

ثم يأتي عنصر لا يقل خطورة: اختناق التمويل. فقرار منع تمويل المحاصيل، وتعطل الضمانات العقارية بسبب توقف سجلات الأراضي، لم يكونا مجرد عوائق إجرائية، بل شكّلا شللًا كاملًا لدورة رأس المال في القطاع الزراعي. وفي اقتصاد موسمي بطبيعته، فإن تعطيل التمويل لا يؤجل النشاط، بل يُلغيه بالكامل، ويضيع مواسم لا يمكن تعويضها.

بهذا المعنى، فإن ما حدث لقطاع السمسم ليس أزمة قطاع، بل نموذج مصغر لفشل أوسع: فشل في التنسيق، وفشل في إدارة النقد الأجنبي، وفشل في فهم طبيعة الأسواق العالمية التي لا تنتظر أحدًا.

وربما تكون المفارقة الأشد قسوة أن الدول التي ملأت الفراغ لم تمتلك بالضرورة مزايا طبيعية أفضل، لكنها امتلكت ما هو أهم: سياسات أكثر عقلانية. البرازيل، على سبيل المثال، لم تتفوق بالمناخ، بل بالكفاءة، وبالزراعة الميكانيكية، وبالقدرة على خفض التكلفة والانفتاح على السوق. ودول مثل النيجر وتنزانيا وموزمبيق لم ترث سوق السودان، بل استحوذت عليه لأن السودان تركه.

إن السؤال الآن لم يعد: كيف خسرنا السوق؟ بل: هل يمكن استعادته؟

الإجابة الواقعية تقول إن العودة ليست مستحيلة، لكنها أيضًا ليست سهلة. الأسواق التي تُفقد لا تعود تلقائيًا، لأن المشترين حين يجدون بدائل مستقرة وأقل تكلفة، لا يعودون إلا إذا تغيّر العرض جذريًا.

وهنا يصبح الإصلاح ليس خيارًا، بل شرط بقاء. إصلاح يبدأ من:

إعادة بناء سياسة تصديرية موحدة .. تخفيف العبء الضريبي والرسومي على السلسلة الإنتاجية .. إعادة التمويل للقطاع الزراعي بشكل عاجل .. مراجعة سياسات سعر الصرف بما يعيد الحافز للتصدير ..

والأهم: الانتقال من تصدير الخام إلى بناء سلاسل قيمة تضيف للاقتصاد قبل أن تغادره.

في النهاية، لا تسقط “الأساطير” فجأة، بل تتآكل تدريجيًا حين تتراكم الأخطاء دون تصحيح. وما حدث للسمسم السوداني ليس إلا نتيجة منطقية لمسار طويل من السياسات قصيرة النظر.

فإن لم يتغير هذا المسار، فإن ما نشهده اليوم لن يكون نهاية قصة السمسم فقط… بل بداية تكرارها في قطاعات أخرى لا سمح الله.

Exit mobile version