لماذا تكرّر برلين ما فشلت فيه باريس ولندن؟ فتّش عن الإجابة عند “أوتشا”!

نصف رأي
خالد التيجاني النور

1
للمرة الثالثة على التوالي “تحتفل” عاصمة أوروبية بذكرى “عيد الميلاد” الثالث للعدوان الأجنبي على السودان وشعبه، موظّفاً صنائع محلية، وكما سبق لاجتماع باريس في 15 أبريل 2024، واجتماع لندن 15 أبريل 2025، ها هي برلين تدخل حلبة احتفالات “رأس السنة العدوانية” في 15 أبريل 2026. فماذا كانت جدوى الأوليان، حتى يتكرر الفشل في الثالث؟
أجندة اللقاءات الثلاث المعلنة ظلت تتكرّر بالعبارات نفسها في كل مرة “حشد الدعم الدولي لمجابهة أكبر كارثة إنسانية يشهدها العالم في القرن الحادي والعشرين، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، وتنسيق وتعزيز مبادرات الحل السياسي والسلام في السودان، وتركيز الجهود الدولية حتى لا تصبح حرب السودان أزمة منسية”.
2
هذا ما أعلنه وزير الخارجية الفرنسي حينها ستيفان سيغورنيه في جلسة استماع في الجمعية الوطنية الفرنسية في 15 أبريل 2024، وما قالته وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك في كلمتها خلال مؤتمر باريس “إن المجتمع الدولي يجب ألا يصرف نظره عن الحرب في السودان التي تسببت في أزمة إنسانية كارثية”، متحدّثة عن “المعاناة التي لا توصف” للسودانيين وشعورهم ب”أن العالم تخلى عنهم”.
وما ردده وزير الخارجية البريطاني السابق ديفيد لامي من بين يدي اجتماع لندن، وعادت لتؤكد عليه لاحقاً خليفته إيفيت كوبر أمام مجلس العمومي البريطاني في 5 فبراير الماضي، وقد أقرّت في مقال/ بمناسبة مرور ألف يوم على الحرب “العالم يخذل الشعب السوداني بشكل كارثي”.
3
و “كل هذا حسن السادة الوزراء” وكلها أجندة حسنة في ظاهرها، ولا غبار عليها إن صدّق الفعل النيّات المعلنة، ولكن حساب الواقع يكذّب الأمنيات الطيبة، وحتى لا يبدو استهلال المقال موغل في السخرية، في موضع جد، في وصفه لهذه الاجتماعات الراتبة سنوياً بمثابة “احتفال ذكرى عيد ميلاد المأساة”، سببه هذا التناقض البيّن بين القول والفعل، إذ لا يعقل أن يظل يتكرر على مدى السنوات الثلاث الماضية وصف الوضع الإنساني في السودان بأنه ” أسوأ أزمة إنسانية يشهدها العالم في هذا القرن”، والدعوة للتحرك العاجل للتصدي لها حتى لا تضحى أزمة منسية، وهذا يقتضي بالضرورة التحرك السريع لاحتوائها، وليس انتظار مرور عام في كل مرة ليتم التذكير بما يجب فعله يومياً على وجه العجلة، وهو ما يجعله بالفعل أقرب لاحتفال بمناسبة ذكرى سنوية، وليس هماً متصلاً لا يحتمل التراخي.
4
التناقض الآخر فيما يتعلق بالأجندة الإنسانية المرفوعة في اجتماعات العواصم الأوروبية الثلاث، هو أن آخر ما تحتاجه الأزمة الإنسانية من باب “لزوم ما لا يلزم” بعقد مؤتمرات بزعم حشد الموارد لها، ثم تكون النتيجة أنها لا تشكل قيمة مضافة فعلاً، وهذا ما تكشف حقائقه تقارير مكتب الأمم المتحدة المعني بتنسيق الشؤون والعمليات الإنسانية “أوتشا” الذي يصدر سنوياً وثيقة “خطة الاستجابة للاحتياجات الإنسانية للسودان” منذ سنوات عديدة، كما يفعل للعديد من الدول ومناطق الأزمات في أنحاء العالم، وهي خطة مفصّلة للاحتياجات المطلوبة في قطاعات شتى تتضمن مثلا الأمن الغذائي، الصحة، التعليم، المياه، وغيرها، ومرفقة بميزانيات محددة، ثم تصدر نداءً للمانحين لتمويل خطة الاستجابة السنوية.
5
وبالتالي فإن المطلوب من الدول المانحة ليس إقامة “احتفال تأبين” كل عام، ولا شرح ما هو معلوم بالضرورة، بل النفاذ مباشرة إلى توفير التمويل اللازم لتنفيذ خطة الاستجابة للاحتياجات المحددة بلا أبطاء ولا تسويف، طالما تبدي كل هذه الشفقة من تردي الوضع الإنساني، وليس التغافل عن الوفاء بتعهداتها الواجبة السداد بعقد مؤتمرات انصرافية تزعم الاهتمام وإظهار الانزعاج من “أسوأ أزمة إنسانية عالمية”، ثم يغلب عليها الشح عندما يحين دفع استحقاقات إقالة عثرة المنكوبين.
6
وحتى لا نبدو كمن يطلق القول على عواهنه جزافاً، دعنا ننظر في تحليل “أوتشا” في آخر تقرير لها في 7 أبريل الحالي عن مقارنة لمدى استجابة المانحين الدوليين لخطط الأمم المتحدة الاستجابة للاحتياجات الإنسانية في السودان خلال السنوات العشر الماضية 2016 إلى 2025، فقد كان متوسط الاستجابة الأعلى بنسبة 59% خلال السنوات الثلاث الأخيرة من حكم الإنقاذ 2016- 2018، تراجعت إلى 48% خلال السنوات الثلاث التالية 2019 – 2021 إبّان حكم الفترة الانتقالية ، وعادت لترتفع في العام 2022 إلى 58%، فيما سجلت نسبة الاستجابة في سنوات الحرب الثلاث الماضية 54%، وعند مقارنة هذه النسبة من استجابة المانحين المتواضعة التي لا تتفق مع علو الأصوات بالتذكير في كل تصريح بوصف الوضع الإنسانى في السودان بأنه أسوأ أزمة إنسانية يشهدها العالم، فلماذا لم ينعكس هذا الجزع في توفير التمويل اللازم لخطة الاستجابة الإنسانية؟!
7
في الواقع فإن مساهمة العواصم الثلاث، لندن، وبرلين، وباريس، الرافعة بحماسة لواء الدعوات السنوية لمؤتمرات تحت لافتة حشد الدعم الدولي للعمل الإنساني، “لا خيل عندها تهديها ولا مال”، ومع ذلك لا “تسعد النطق” ولا “تسعد الحال”، ذلك أن مساهماتها في تمويل الاستجابة للاحتياجات الإنسانية في السودان تأتي دائما متواضعة للغاية، ففي خطة العام 2023 مثلاً البالغة احتياجات تمويلها 2,6 مليار دولار والتي لم تموّل من المانحين سوى بنسبة 51%، كشف تقرير “أوتشا” أن المساهمة الألمانية كانت بنسبة 5,1%، وفرنسا 4,7%، والمملكة المتحدة 4,4%.
8
وللمقارنة فقط فقد بلغت مساهمة الولايات المتحدة الأمريكية منفردة في تمويل خطة ذلك العام بنسبة 47,9% بمعنى أكثر من ثلاثة أضعاف مساهمة العواصم الأوروبية الثلاث، ومع ذلك فإن واشنطن، الأخفض صوتاً في ادعاء الجزع من فظاعة الأزمة الإنسانية في السودان، والأكثر مساهمة بما لا يقاس لم تتخذ الوضع الإنساني ذريعة للاحتفال سنوياً بذكرى مأساة الحرب في السودان، لإصدار بيانات فارغة المضمون، قليل الجدوى، فقيرة المردود.
9
وهذا غيض من فيض إن ذهبنا نتتبع تحليل تفاصيل المعلومات الموثقة المنشورة في تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق العمليات الإنسانية “أوتشا” عندما يتعلق الأمر بالاستجابة الحقيقية لتعهدات تمويل خطط الاستجابة الإنسانية، التي تشهد كل عام تراجعاً ملحوظاً، وليس أدل على ذلك من أن العام الماضي شهد أدنى نسبة استجابة للتمويل في تاريخ خطط العمل الإنساني في السودان، إذ لم تتعد 40% فقط بعد جهد ولأي، في حين كان ذلك العام الذي شهد أضخم حملات ضغط بالدعوة لهدنة إنسانية بزعم الحاجة الماسة لها لإيصال المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين في السودان، في حين كانت منظمات الأمم المتحدة المعنية تشكو مرّ الشكوى من خواء خزائنها من تمويل كاف لتوفير المساعدات المطلوبة بسبب شح المانحين أنفسهم الأعلى صوتاً بالتحذير فزعاً كذوباً من مغبة تردي الأوضاع الإنسانية، وصرف الأنظار عن بخلهم بالحديث تارة عن هدنة لإيصال مساعدات لا وجود لها، أو بمزاعم عرقلة الإجراءات الحكومية لدخول عمّال الإغاثة للبلاد.
10
ويبقى السؤال لماذا تحرص العواصم الأوروبية تحديداً على استغلال المأساة الإنسانية لضحايا العدوان الأجنبي على السودان وشعبه، وإظهار المبالغة في الحرص على مواساتهم، وإقامة هذه “الاحتفالات” السنوية تحت لافتة حشد الدعم الإنساني من أجلهم، في الوقت الذي لا يصدق فعلها مزاعمها عندما يحين وقت دفع استحقاقات تمويل الاستجابة الفعلية لاحتياجات العمل الإنساني لهؤلاء المنكوبين مرتين، مرة من المليشيا الإجرامية المدفوعة من أطراف أجنبية، ومرة ممن يتاجرون باسمهم في بعض العواصم الكبرى؟!

Exit mobile version