لماذا أصبحت أديس أبابا المحور الدبلوماسي والاقتصادي للقرن الأفريقي؟
Mazin
عادت أديس أبابا مرة أخرى إلى قلب الحركة الدبلوماسية العالمية. ففي فترة قصيرة ومتلاحقة، زارها وزير الخارجية الصيني وانغ يي، ووزير الخارجية الألماني يوهان فادهبول، وأخيرًا نائب وزير الخارجية الأميركي كريستوفر لاندو، حيث سعى جميعهم إلى استمالة القيادة الإثيوبية.
بقلم: مايكل مسري
تعكس الزيارات الأخيرة لإثيوبيا من مسؤولين رفيعي المستوى من الولايات المتحدة والصين وألمانيا أكثر من مجرد زيارات بروتوكولية. فهي تشير إلى عودة إثيوبيا بوصفها جائزة استراتيجية في قرن أفريقيا، وهي منطقة باتت تتشكل ملامحها من خلال سياسات الموانئ، وتمويل البنى التحتية، والتنافس الأمني، والسيطرة الرقمية. وفي الوقت نفسه، تتفاوض إثيوبيا مع الصينيين والأوروبيين والأميركيين، فيما تتقن بصورة متزايدة فن اللعب على التناقضات بين هذه القوى.
التقى كريستوفر لاندو بقيادات وزارات المالية والتخطيط والبنك المركزي الإثيوبي، حيث طرحت أديس أبابا حزمة من الإصلاحات الاقتصادية الكلية ومشروعات كبرى، من بينها مطار بيشوفاتو الدولي الجديد، الواقع على بعد 45 كيلومترًا جنوب شرق العاصمة، والذي شرعت الخطوط الجوية الإثيوبية في تنفيذه مطلع هذا الشهر.
وخلال احتفالات الذكرى التسعين لتأسيس سلاح الجو الإثيوبي، تحدث لاندو عن الموقع الاستراتيجي لإثيوبيا في القرن الأفريقي، قائلًا: «إثيوبيا ليست مهمة داخل حدودها فحسب، بل تمثل قوة إقليمية بالغة الأهمية»، مؤكدًا على التعاون الذي من شأنه أن يجعل البلدين «أكثر أمانًا وقوة وازدهارًا».
ألمانيا والاتحاد الأوروبي
استقطبت الدبلوماسية الألمانية الأخيرة اهتمامًا خاصًا بسبب الطريقة التي أعادت بها برلين صياغة موقفها من مساعي إثيوبيا المثيرة للجدل للوصول إلى البحر. فبدلًا من التعامل مع الطموحات البحرية لأديس أبابا بوصفها نزعة توسعية إقليمية، وصفها المسؤولون الألمان بأنها ضرورة اقتصادية لدولة حبيسة يزيد عدد سكانها على 130 مليون نسمة.
ويرى أندريه بولوس، أستاذ معهد الدراسات الدولية بجامعة فروتسواف، أن هذا التحول أقل أيديولوجية وأكثر براغماتية. ويقول: «تحاول ألمانيا تحسين صورتها في أفريقيا بعد سنوات من الانتقادات التي وُجهت لها بسبب فرض المعايير والقيم بطريقة ألمانية صارمة».
ويضيف أن لغة برلين بشأن الوصول إلى الموانئ دقيقة للغاية، موضحًا: «عندما تقول ألمانيا في الخطاب الدبلوماسي إنها تفهم حاجة إثيوبيا إلى بنية تحتية بحرية، فهذا يعني أنها ليست معارضة، لكنها تريد حل الأمر بوسائل دبلوماسية».
ويربط بولوس انخراط ألمانيا في إثيوبيا بقلق أوروبا المتزايد حيال الصادرات. فالنمو الاقتصادي الألماني يدور حول 1% فقط، ويعتمد اقتصادها بنيويًا على الأسواق الخارجية. ويقول: «ألمانيا دولة صناعية كثيفة الإنتاج ولا تزال تبحث عن فرص لتسويق صادراتها. وسوق يضم 130 مليون نسمة في إثيوبيا يبدو جذابًا للغاية».
ويشير إلى شركات مثل “باير” التي تستكشف فرص الإنتاج الدوائي في إثيوبيا، وإلى مقاولين ألمان يراقبون عن كثب مناقصة مطار أديس أبابا. وبالنسبة لبرلين، لم تعد إثيوبيا مجرد حالة إنسانية، بل باتت تمثل حدودًا تجارية جديدة.
وعلى مستوى الاتحاد الأوروبي، يقول بولوس إن بروكسل تعيد هي الأخرى صياغة استراتيجيتها الأفريقية عبر إطار «البوابة العالمية». ويركز الاتحاد الأوروبي على النظم الزراعية والغذائية، والرقمنة، والطاقة المستدامة، والحوكمة، وهو نموذج يختلف جذريًا عن النموذج الصيني.
ويضيف: «الصين تأتي دائمًا بالتمويل والمقاولين والتنفيذ. أما الاتحاد الأوروبي فيراهن على أن أموالَه ستجذب لاحقًا القطاع الخاص، لكن هذا رهان أكثر منه يقينًا».
وهذا الفارق له دلالات سياسية مهمة. فإثيوبيا تحتاج إلى مشروعات ملموسة وسريعة، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية. ويقول بولوس: «الاتحاد الأوروبي أبطأ بسبب المشاورات والمعايير البيئية، بينما تستطيع الصين تحقيق نتائج أسرع، والحكومات تحتاج إلى إنجازات يمكن عرضها على الرأي العام».
الأفضلية الهيكلية للصين في إثيوبيا
لا تزال الصين الشريك الاقتصادي الأبرز لإثيوبيا. فبكين تموّل وتبني وتوفر غطاءً سياسيًا لأديس أبابا بطرق يصعب على الآخرين مجاراتها. وخلال زيارة وزير الخارجية وانغ يي، جدّدت إثيوبيا التزامها بسياسة «الصين الواحدة»، فيما أعلنت بكين دعمها العلني لطموح إثيوبيا في الوصول إلى البحر الأحمر.
ويقول بولوس: «الصين هي المستثمر الأكبر بلا منازع في إثيوبيا». ويضيف: «لا تستقطب أفريقيا سوى نحو 3% من الاستثمارات الأجنبية المباشرة عالميًا، لكن إمكانات إثيوبيا هائلة ولا تزال غير مستغلة».
ويكمن الفارق الأساسي في هيكلية التمويل. فبحسب بولوس: «بكين تؤمّن الحزمة كاملة من البداية. أما الاتحاد الأوروبي فيقدم منحًا وينتظر قدوم التمويل الخاص. الصين تحسم مسألة التمويل منذ اللحظة الأولى».
ويتيح هذا النموذج للصين السيطرة على المشروعات العملاقة: السكك الحديدية، والمتنزهات الصناعية، وممرات الطاقة. ورغم تباطؤ الإقراض الصيني، لا تزال بكين تحدد معيار سرعة التنفيذ في أفريقيا.
ويرى بولوس أن البنية التحتية الرقمية ستكون ساحة المعركة المقبلة، قائلًا: «المعركة الكبرى ستكون حول معايير الجيل الخامس (5G) في إثيوبيا. القضية ليست ستارلينك مقابل هواوي في المنازل، بل من يسيطر على معايير الاتصالات».
ويضيف أن من يضع المعمار الرقمي لإثيوبيا سيحصل على نفوذ طويل الأمد في مجالات الحوكمة والبيانات والأمن.
الولايات المتحدة: الأمن قبل التجارة
يختلف النهج الأميركي بوضوح. فقد جمعت زيارة لاندو بين خطاب تشجيع الاستثمار ورسائل أمنية قوية. وخلال احتفالات سلاح الجو، حذّر قائد القيادة الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، الجنرال داغفين أندرسون، من التهديدات المشتركة.
وقال: «نواجه تهديدات إرهابية مشتركة من حركة الشباب وتنظيم داعش، إضافة إلى التنسيق عبر البحر الأحمر مع الحوثيين الذين يسعون إلى زعزعة استقرار المنطقة. علينا أن نعمل معًا لمواجهة هذه التحديات».
ويرى غيتنت ألمو، المحلل السياسي المقيم في أديس أبابا، أن الولايات المتحدة أقل اهتمامًا بالسوق الإثيوبية وأكثر تركيزًا على العوائد الأمنية. ويقول: «النموذج الأميركي في إثيوبيا يقوم على المكاسب الأمنية أكثر من الدبلوماسية التجارية. واشنطن تريد تقاسم أعباء الأمن بدل الانخراط القائم على القيم».
ويضيف أن الولايات المتحدة تحاول مواجهة التوسع الصيني في أفريقيا، وتوظيف القارة كمنصة لإسقاط النفوذ.
ولا يعني ذلك غياب المصالح الاقتصادية الأميركية بالكامل. إذ يشير ألمو إلى الطيران والتعدين، موضحًا أن الخطوط الجوية الإثيوبية شريك رئيسي لشركة بوينغ، وأن الأميركيين مهتمون بالليثيوم والنيكل في إطار التحول إلى الطاقة الخضراء.
لكن بخلاف الصين، تعتمد الاستثمارات الأميركية على القطاع الخاص. ويقول: «الصين تأتي بالتمويل والتنفيذ معًا، بينما تحتاج الولايات المتحدة إلى موافقات تجارية ومستثمرين، ولذلك ستظل البنى التحتية الكبرى بقيادة صينية في المدى القريب».
سد النهضة، مصر، والموازنة الأميركية
جاءت زيارة لاندو لإثيوبيا بعد توقفه في مصر، حيث لا يزال سد النهضة الإثيوبي الكبير قضية سياسية حساسة. ويرى غيتنت أن نفوذ إثيوبيا ازداد لأن الوقائع على الأرض تغيّرت. ويقول: «السد اكتمل بالفعل وبدأ في توليد الكهرباء، ولم تعد هناك قدرة على وقف تدفق مياه النيل بالكامل».
ومن منظور واشنطن، فإن تصاعد الأهمية الجيوسياسية لإثيوبيا في القرن الأفريقي يجعل من الصعب تبني سياسة أحادية في ملف النيل، ويحوّل سد النهضة من نزاع ثنائي إلى جزء من معادلة استراتيجية أوسع.
العزف على أكثر من بيانو
يستخدم بولوس استعارة موسيقية لوصف اللحظة الاستراتيجية التي تعيشها إثيوبيا، قائلًا: «لا يمكنك العزف على بيانو واحد فقط. تحتاج إلى عدة بيانوهات: الصيني، والأميركي، والأوروبي».
ويرى أن لإثيوبيا هامشًا من الاستقلالية أكبر مما يُعتقد عادة، شريطة أن تتفاوض بصبر. ويضيف: «كلما طال أمد التفاوض، تحسنت الشروط المحتملة»، مستشهدًا بتجربة بوتسوانا في مفاوضات الألماس وأوغندا في مفاوضات النفط.
غير أن الحكومات الأفريقية كثيرًا ما تقبل العروض المبكرة تحت ضغط الأوضاع المالية والاستعجال السياسي. وإثيوبيا ليست بمنأى عن هذا الإغراء، في ظل تلاقي احتياجات البنية التحتية مع الاستحقاقات الانتخابية ووعود الإصلاح.
إثيوبيا كمحور استراتيجي للقرن الأفريقي
الصين تبني، وأوروبا تعيد التموضع، والولايات المتحدة تؤمّن. وتقف إثيوبيا في قلب هذه المعادلة الثلاثية. فبرلين ترى أسواقًا، والاتحاد الأوروبي يرى مناطق عازلة، والصين ترى توافقًا في البنى التحتية، وواشنطن ترى تموضعًا استراتيجيًا.
ويقول بولوس: «الولايات المتحدة ليست مهتمة كثيرًا بالتجارة، بقدر اهتمامها بالمصالح العسكرية الاستراتيجية في المنطقة، ولا سيما جيبوتي وقواعد الطائرات المسيّرة».
أما التحدي أمام إثيوبيا فيكمن في تحويل هذا التنافس إلى مكسب. فالوصول إلى الموانئ، والبنية التحتية الرقمية، والطيران، والتعدين، والتعاون الأمني، لم تعد ملفات منفصلة، بل تشكل حزمة جيوسياسية واحدة.
وستحدد الطريقة التي توازن بها إثيوبيا بين سرعة الصين، وأسواق أوروبا، ومنطق الأمن الأميركي، ليس فقط مسار تطورها الداخلي، بل أيضًا المستقبل الاستراتيجي للقرن الأفريقي بأسره.