◦الحرب الثقافية وآثارها السياسية في الداخل الأمريكي وعلي امتداد المعمورة!
Mazin
◦الدكتور الخضر هارون
◦يوصف الاستقطاب الحاد بين اليمين واليسار في الولايات المتحدة الأمريكية ( مصطلح اليسار في أمريكا يحمل معني التطرف الليبرالي المضاد للتقليدية) بالحرب الثقافية . وبعض التعريف ضروري هنا : اليمين هم المحافظون ويمثلهم الحزب الجمهوري وهو حزب أبراهام لنكولن الذي حارب الجنوب الذي انفصلت ولاياته في العام ١٨٦٠-٦١ وهي نورث وساوث كارولينا ،فلوريدا ، جورجيا مسيسبي ، الباما ، لويزيانا ، تكساس ، تناسي واركانس وفرجينيا وأسست ما عرف بالكونفدرالية وعاصمتها كانت هي عاصمة ولاية فرجينيا حاليا، ريتشموند. والسبب هو أن هذه الولايات كانت ترفض إلغاء العبودية . وكان الشمال بقيادة الحزب الجمهوري، حزب الرئيس أبراهام لنكولن رافضا للعبودية مطالبا بإلغائها والذي أصدر بيانا بإلغائها في العام ١٩٦٣ .لذلك أعلنت الحكومة الاتحادية الحرب لإعادة الأحد عشرة ولاية المنفصلة إلي الاتحاد فيما عرف بالحرب الأهلية الضروس التي راح ضحيتها أكثر من ٦٠٠ ألف نفس و التي انتصر فيها الاتحاد عام ١٨٦٥. الحزب الديمقراطي كان هو الحزب المسيطر في الجنوب والمؤيد للاحتفاظ بالرق المطلق لاعتبارات اقتصادية فالأرقاء يعملون دون أجور ببطونهم وعرقية علي اعتبار أن السود من الناحية العرقية أدني عرقا من البيض وأنهم مجرد ممتلكات.
◦بوصول الرئيس فرانكلين روزفلت للرئاسة في ١٩٣٢ وحله لمعضلة الكساد العالمي الذي ضرب أمريكا واقتصادات العالم عام ١٩٢٩ بما عرف بالنهج الجديد الذي أفضي لتحول رئيس في الحزب الديمقراطي من حزب أقلية إلي حزب انحازت إليه الأقليات ( الكاثوليك، اليهود ، السود وبيض الجنوب) بالإضافة للمثقفين واتحادات العمال ومراكز الاستنارة لما اشتمل عليه النهج الجديد من مساعدات للفقراء وتقوية مؤسسة الرئاسة وتبني حملة الحقوق المدنية مما مكن الحزب من الفوز المتكرر في الرئاسة والكونقرس ولمدة ثلاثة عقود تالية.
◦في خمسينيات القرن العشرين بدأت حركة الحقوق المدنية لإنهاء الفصل العنصري في جنوب أمريكا فبدأ البيض في مقاومة تلك الحركة وبدأت رحلة تحول الحزب الجمهوري ، حزب إنهاء العبودية إلي أكتساح الجنوب الذي قاده ليندون جونسون الديمقراطي إلي إنهاء الفصل العنصري ثم جاءت حرب فيتنام في الستينيات فثار الشباب معترضين عليها وفي أحشائها الثورة الجنسية وليبرالية متطرفة ثم جماعات الشذوذ الجنسي والهيبز و التي تطورت إلي ماعرف ب الديمقراطيين التقدميين وهم هذا الطيف العريض من أولئك جميعا ، الأقليات العرقية والدينية، جماعات الحريات الجنسية شاذين وشاذات ومغيرين للنوع عبر الجراحة والهرمونات وتمكين الصغار القصر من تغيير جنسهم من ذكر إلي أنثي والعكس دون استشارة ذويهم بل وحقنهم بالهرمونات المساعدة ، إعادة تعريف الأسرة واعتبار الرجل والمرأة شيئا واحدا في التعريف ، وتدريس النشء دقائق الجنس = حرية مطلقة لا تعرف الحدود . هذا التطرف أخاف قطاعا واسعة من الأمريكيين في وسط البلاد وفي جنوبها وفي ي ولايات جبال الروكي وفي جيوب أخري في مناطق متفرقة لدي مجتمعات محافظة جاء أسلافها إلي بلد يرونها هي أرض الميعاد هرعوا إليها حفاظا علي معتقداتهم المسيحية مع مخاوف بازدياد وتيرة التنوع العرقي وتناقص أعداد البيض المسيحيين عند منتصف القرن الحالي لصالح هذه الأقليات المتفلتة. وأصبح لهؤلاء المحافظين جماعات وجمعيات تحن للعهد الأول عهد سيطرة الأبيض المسيحي الشرس راعي البقر المتسم بالفتوة والرجولة في مقابل ما يراه عالما حريمي رخواً مغايرا. هذا التيار المحافظ بدأ العمل صعودا علي شعبية دونالد ترامب الذي لا تربطه صلة بالمتدينين ولا يقيمهم المحافظة ولكن تربطه بهم صلات تفاخر بالعرق الأبيض وازدراء للملونين فركبوا خلفه فسيطروا علي المحكمة العليا التي تفسر نصوص الدستور إذا اشتجر الخلاف حولها وسيطروا علي غرفتي الكونقرس وملأت الوزارات بالمؤيدين لهذا التيار كلما سنحت الفرص. وهكذا ولد ما سمي بمشروع ٢٠٢٥ ورغم ان ترامب لم يتبناه رسميا وقال انه يختلف مع بعض بنوده إلا أن كثيرا من فقراته تنفذ هذه الأيام ومنذ أول يوم تقلد فيه الرئاسة في العشرين من يناير للعام ٢٠٢٥ .والمشروع ، خطة محافظة جعلوا عنوانها هكذا : تفويض للقيادة ، الوعد المحافظ والذي صاغه مركز التراث من ٩٠٠ صفحة في تحالف مع مائة جمعية ومنظمة محافظة هدفه تقوية الجهاز التنفيذي وتمتين قبضة الرئيس عليه علي حساب وزارة العدل ومكتب التحقيقات الفدرالي وإعداد سجل علي الانترنت بأسماء المحافظين الذين يمكن توظيفهم في مفاصل الدولة علي المستوي الفيدرالي. وإعادة قانون يسمي جدول أف يسمح بتسريح الموظفين المدنيين بحجة أنهم معينون سياسيا ويمكن فصلهم واستبدالهم بموالين. والتخلي عن برامج الطاقة الجديدة والمتجدده وجعل الاولوية لطاقة الزيت ومشتقاته. وترحيل الموجودين بغير طرق شرعية بأعداد كبيرة وإلغاء حق الحصول علي الجنسية بمجرد الميلاد وإغلاق الحدود ، منع المتحولين جنسيا من الخدمة العسكرية عدم مساعدة عيادات الإجهاض وحل وزارة التعليم وتشجيع مؤسسات التعليم الديني وتجريم الأفلام الاباحية وتشجيع التزويج وفقا التعاليم الدينية المسيحية
◦ويبدو هذا التطرف ردة فعل لتطرف الحزب الديمقراطي الذي أفقده الرئاسة وغرفتي الكونقرس معا. فالحزب قد أبعد النجعة وأرغم المتدينين من أتباعه التقليديين في الاقليات الدينية مثل الكاثوليك والمسلمين والسود اتباع الكنائس السوداء وربما غيرهم من حجب أصواتهم عنه او التصويت لترامب. ولم يتعلم من تجربة مرشحه للرئاسة جورج ماقافنر في السبعينات حيث لم يكن الحزب قد بلغ هذا التطرف لكنه كان قد اقترب وقتها من طروحات اليسار الشرقي في قضايا العدالة الاجتماعية فلم يفز إلا في ولاية واحدة هي ماساتشوستس من أصل خمسين ولاية بالإضافة إلي مقاطعة كولمبيا ( واشنطن دي سي) وهي ليست ولاية.
◦وسياسات دونالد ترامب علي الساحة الدولية لها علاقة بالتيارات المحافظة فالمحافظون ينظرون للأمم المتحدة بمنظار الشك والريبة وأنها مطية للحكومة العالمية الممعنة في الليبرالية المعادية للدين. وكان غلاة المحافظين من الأمريكيين يهرعون إلي اللجنة الثالثة الاجتماعية والإنسانية والثقافية التابعة الأمم المتحدة للتنسيق مع الدول الإسلامية المحافظة كالسودان والسعودية وباكستان وايران لمعارضة قوانين الأمم المتحدة الاجتماعية المصادمة للأعراف الاجتماعية المستمدة من الأديان السماوية مثل رؤي سيداك فيما تراه من حريات نسوية .
◦أمريكا لم تزل بلدا مسيحيا بالمعني الحضاري فيما يتصل بكثير من العادات الاجتماعية المستمدة من الدين والقفز المتعجل فوق المراحل والبعد عن التوسط المحمود الذي لا يثير الحفائظ من حسن السياسة ومن محامد الكياسة.
◦وعندي أن الذي صاحب التغيير الذي وقع في السودان في أبريل ٢٠١٩ ووصول ساسة إلي سدة الحكم لم يقرأوا مجتمعهم قراءة صحيحة وقد رأوا بأم أعينهم شبابا وشابات بعضهم أبناء قيادات في حكم الإنقاذ شاركوهم ميدان الاعتصام أسابيع عددا كانوا يصلون ويقرأون القرآن في حلقات لا بل وصاموا شهرهم واسهروا لياليه بالتراويح والتهجد هناك خرجوا كالآخرين يرومون اصلاح الحكم لا محاربة الدين والأخلاق والقيم الإسلامية المنبثقة عنه. كان من شأن ذلك الاصطفاف أن يشكل سانحة من سوانح السودان للوصل إلي اجماع علي الحد الأدني لمعاجلة مشكلات الوطن المزمنة والوصول إلي صيغة يرتضيها الجميع لادارة البلاد لكن للأسف حدث العكس ، فعمد أولئك عندما صار الحكم إليهم فعزلوهم وأقبلوا علي مؤسسات قد يكون الإسلاميون في قياداتها فحاربوها وكان من حسن السياسة الابقاء عليها وتغيير إداراتها فهي ملك للشعب السوداني فالإسلام ليس ملكاً للإسلاميين وحدهم : جمعية القرآن الكريم ،منظمة الدعوة الإسلامية، جامعة إفريقيا العالمية، منظمات جلبت الاحترام للسودان والصيت الحسن. الدين منذ عهود الوثنية كان حاضرا في الوجدان السوداني ومشكل له تدل عليه هذه الاهرامات والمعابد وفي العهد الكنسي وبعد دخول الإسلام. والطوائف العديدة ؛ الختمية ، الأنصار وانصار السنة والقادرية والأدارسة والتيجانية والسمانية، هذه مؤسسات وجماعات تعني بتحفيظ القرآن ورعاية شعائر الإسلام تختلف مع الإسلاميين في التفاصيل وربما في وسائل الحكم وليس في الشأن الإسلامي العام يسوؤها هدم المؤسسات الإسلامية وتقريب من لا صلة لهم بالدين والتدين في مفاصل الحكم باسم المدنية. تلك الهجمة الشرسة علي كل ما يرمز إلي الدين أخافت الناس وصورت الحكم الجديد كأنه جاء لهدمه . ذلك سبب من أسباب المتاهة التي يعيشها السودان منذ ذلك الوقت. ولو خلا الأمر من ذلك الخطل ربما كانت المآلات أفضل . لا توجد مدنية مبرأة تماماً من الارث الثقافي ومنه الدين بما في ذلك مدنيات أوروبا وإن أبعدت النجعة بعض أحزابها السياسية ،انصرف الناس عنها. فليعي أهل السياسة في بلادنا ذلك و ليسدد الإسلاميون وليقاربوا .والعبارة من حديث نبوي شريف معناه التوسط والاعتدال. قلت في آخر فقرة في رسائل في الذكري والحنين؛
◦كنا نختلف كل جمعة إلي مسجد الشيخ الجليل مدثر البوشي أمطر الله ثري قبره بالرحمات: فيصل ألينا صوته الرزين في خطبته الثانية الثابتة التي لا يغيرها: ” ألا إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق!”.
◦قلت : كأنه قد قرأ ما يعتمل في نفوسنا من الحماسة التي تضاهي النزق والطيش فاختار أن يصب علي ذلك كله ماء باردا يرد نفوسنا الغضة إلي شئ من الاتزان والرضا.