رأي

لغز عطاء الشركة

أسامه عبد الماجد يكتب:

 في فبراير 2025 تم دمج شركتي بشائر للطاقة المحدودة وبتروترانس للنقل في شركة النيل للبترول المحدودة (NPC).. وهي خطوة أثارت حينها قدراً كبيراً من الاهتمام والجدل داخل قطاع النفط.. وقتها قدم وزير النفط والطاقة السابق محي الدين النعيم مبررات غير مقنعة.. ولم تكن كافية لتفسير أبعاد التحول الكبير وهيكلة قطاع الوقود الحكومي.. المهم ما أعادنا لتناول الأمر هو إعلان نشرته شركة النيل قبل ايام .. أبدت فيه رغبتها في طرح مناقصة عامة لاختيار جهة استشارية متخصصة لتنفيذ أعمال.. إعادة حصر وتقييم الأصول الثابتة والمنقولة والمتحركة للشركة للعام 2026.
0 استغربت من الإعلان إذ إن قرار الدمج تم قبل إجراء حصر وتقييم الأصول الثابتة والمنقولة لكل شركة.. وتعتبر هذه الخطوة غير معتادة وتثير الريبة إن لم يكن الشبهات.. لأن من الطبيعي أن يكون تقييم الأصول من الشروط الأساسية التي تسبق عملية توحيد الشركات.. إن عدم القيام بعملية الحصر والتقييم قبل الدمج يثير تساؤلات حول دقة الإجراءات المحاسبية وحجم التقييم الفعلي للأصول التي تعتزم الشركة اعتمادها لاحقاً..كما أن القيمة الحقيقية لأي شركة قبل الدمج تختلف كلياً عن قيمتها بعد الدمج مما يؤدي لاختلاف قيمتها السوقية.
وقد يترتب على هذا الوضع عدم ظهور الحجم الحقيقي لأموال الشركة مستقبلاً الأمر الذي قد يؤثر في دقة راس مالها.
0 عدم حصر الأصول قبل الدمج يفتح ثغرات قانونية وابواب الشك.. ولا احد يعرف على وجة الدقة هل الشركات كانت رابحة ام خاسرة.. هل تمت تسوية الديون والحقوق المالية بينها ؟ لا أحد يعلم.. وهل يمكن أن يظهر لاحقاً شركاء أو مستثمرون سابقون يطالبون بحقوق مرتبطة بأصول لم يتم تقييمها أو تسجيلها بصورة واضحة؟ وإن حدث ذلك فسيكون من الصعب التمييز بين المطالبات المشروعة وتلك التي قد تقف وراءها جهات أو شخصيات مرتبطة بمصالح داخلية أو خارجية.. نقول ذلك دون الخوض في الشرح.
0 أن وضع الشركة المدمجة يكتنفه الغموض وسيكون عصياً على الجهات الرقابية كيف تتعامل مع معلوماتها.. ويكشف الإعلان بشأن العطاء عدداً من الملاحظات المهمة. من بينها عدم وضوح الأصول التي سيشملها التقييم هل يشمل جميع الأصول الثابتة والمنقولة التابعة لشركتي بشائر وبتروترانس بالكامل؟ أم يقتصر على الأصول التي آلت إلى شركة النيل؟
0 كذلك لم يوضح الإعلان المعايير الفنية والمالية التي سيتم على أساسها تقييم الأصول.. ويجعل عملية المقارنة بينها صعبة وغير دقيقة ويضاف إلى ذلك قصر المدة الممنوحة لاستلام كراسة العطاء وإعداد العروض، ويبدو انه المقصود الحد من قدرة الشركات المؤهلة على إعداد تقييم مهني متكامل يعتمد على بيانات ميدانية دقيقة.
0 ان إدارة شركة ضخمة نتجت عن دمج شركات مختلفة ليست مهمة سهلة.. فمثل هذا الجسم يواجه تحديات كبيرة باختلاف سياسات العمل وتضارب الهياكل الإدارية واختلاف آليات اتخاذ القرار.. وبالتالي لا أحد يعرف كيف سارت الأمور خلال العام الأول بعد الدمج؟ ولماذا لم تنشر حتى الآن الحسابات الختامية للشركة بصورة واضحة للرأي العام؟.. وهل ربحت مثل شركة سوداني التي اكتشفنا انها كانت خاسرة قبل قدوم الرئيس التنفيذي و المدير العام لمجموعة سوداتل للإتصالات المهندس مجدي طه.
0 توقعنا ان إنشاء جسم حكومي ضخم يكون خطوة منطقية تشعل المنافسة في سوق الوقود.. ويؤدي إلى انخفاض الأسعار المؤسف أن الدمج لم يخفض تكاليف الوقود.. بل جعل الشركة الحكومية نفسها لاعباً تجارياً رئيسياً في السوق مستفيدة من أرباح ضخمة.. فباخرة وقود واحدة تحقق أرباحا تقدر بنحو اكثر من أربعة ملايين دولار.
0 بينما ارباح الباخرة في بعض الدول الافريقية نحو نصف مليون دولار رغم تكلفة الترحيل.. وهذا يعني استغلال شركة النيل للفرص التجارية في السوق بدلاً من خفض الأسعار لصالح المواطن.. وتحولت بذلك إلى مستفيد تجاري مباشر من السوق بدلاً من أن تكون أداة لضبطه لصالح المواطن.
0 نكرر إن ما يحيط بوضع الشركة المدمجة من غموض يستدعي وقفة جادة من قيادة الدولة فالشركات التي تدير موارد استراتيجية تمس حياة المواطنين اليومية لا يمكن أن تعمل في بيئة مليئة بهذة الأسئلة التي لا تتوفر لها إجابات.. نقول لمدير النيل ومن خلفه وزير النفط ومن خلف الوزير “مامعروف منو” !!.. قبل الحديث عن حصر الأصول لا بد من إرساء منظومة شفافية لا تقبل الالتفاف أو الغموض.. وذلك بنشر القوائم المالية للشركات الثلاثة قبل خطوة الدمج.. وكشف تفاصيل عملية الدمج بشكل دقيق، والإفصاح عن حجم الالتزامات والديون دون تجميل أو إخفاء.. وإعلان كل شيء بوضوح كامل أمام الرأي العام.
0 ما يحدث في شركة النيل اليوم لا يمكن اعتباره مجرد إجراء إداري عادي.. بل حدث يقود لفقد الثقة بمؤسسات الدولة.. استمرار الغموض والتأخير في كشف الحقائق لا يثير الشكوك فحسب بل يفتح أبواباً من التساؤلات والاتهامات.. كان يمكن تجنبها بسهولة لو توفرت الشفافية منذ البداية.. وأي تأخير في توضيح الصورة سيكون مخاطرة بثقة الناس ومصداقية مؤسسات الدولة وعلى رأسها النيل.
0 ومهما يكن من أمر.. إما أن تدار هذه الملفات بدرجة عالية من الوضوح والشفافية.. أو أنها ستتحول إلى قنابل موقوتة مليئة بالشكوك قد تنفجر في أي لحظة.
ولنا عودة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى