✍️السفير/ رشاد فراج الطيب
تتناول هذه الورقة قراءة تحليلية للكتاب الصادر عن مركز موشيه دايان للدراسات الشرق أوسطية والأفريقية بجامعة تل أبيب بعنوان «الترابي الناطق باسم الإسلام الراديكالي» ، من تأليف الباحث والدبلوماسي الإسرائيلي أمير فايسبرود (Amir Weisbrod) ، والصادر عام 2013.
وتركّز الورقة على تفكيك الرؤية الإسرائيلية لشخصية الدكتور حسن الترابي ومشروعه الفكري ومجمل المشروع الفكري والسياسي للحركة الاسلامية السودانية ، وتحليل تقديراتها لمدى خطورته وتأثيره ، ليس في السياق السوداني فحسب ، بل في الإطار الإقليمي والفكري الأوسع .
وتنطلق الورقة من فرضية مفادها أن الاهتمام الإسرائيلي الأكاديمي بالترابي يعكس إدراكًا مبكرًا لطبيعة التحولات البنيوية التي أحدثها في خطاب وممارسة الإسلام السياسي المعاصر .
أولًا : الإطار المؤسسي والبحثي للدراسة
صدر الكتاب موضوع هذه الورقة عن مركز دايان ، وهو أحد أهم مراكز التفكير الاستراتيجي في إسرائيل ، ويُعدّ ذراعًا بحثيًا يرفد صانع القرار الإسرائيلي بالدراسات المتعلقة بالعالم العربي والإسلامي .
ويكتسب الكتاب أهميته ليس فقط من موضوعه ، بل من الخلفية المهنية لمؤلفه ؛ إذ إن أمير فايسبرود باحث ودبلوماسي إسرائيلي ، سبق له العمل في السلك الدبلوماسي ، ومن ضمن مهامه العمل ملحقًا إعلاميًا لإسرائيل في الأردن .
هذا التداخل بين البحث الأكاديمي والخبرة الدبلوماسية يجعل الدراسة أقرب إلى التحليل الاستراتيجي طويل المدى منه إلى مجرد عمل أكاديمي وصفي ، وهو ما يفسّر اهتمامها بالبنى الفكرية العميقة لمشروع الترابي أكثر من اهتمامها بالتفاصيل الحدثية .
ثانيًا : المنهج التحليلي ومنطلقات القراءة الإسرائيلية
يعتمد فايسبرود في كتابه منهجًا تحليليًا مركبًا ، يجمع بين قراءة نصوص الترابي الفكرية ، وتتبع ممارساته السياسية ، وتحليل أثرها الإقليمي والدولي .
ولا ينظر إلى الترابي كزعيم محلي ، بل كنموذج قابل للتعميم داخل منظومة الإسلام السياسي العالمي .
وتنطلق الدراسة من فرضية إسرائيلية مركزية مفادها أن التهديد الحقيقي لا يتمثل في الحركات الإسلامية الصدامية قصيرة الأمد ، بل في الإسلام السياسي القادر على إنتاج خطاب فكري متماسك ، وتكييفه مع الدولة الحديثة ، واكتساب شرعية داخلية وخارجية.
ثالثًا : حسن الترابي كنموذج إسلامي “غير نمطي”
يقدّم فايسبرود الترابي بوصفه شخصية مركّبة تجمع بين التكوين الفقهي التقليدي والتعليم القانوني الغربي والبراغماتية السياسية.
وتعتبر الدراسة أن هذه التركيبة تمثل مصدر القلق الرئيسي لإسرائيل ، لأنها تنتج إسلامًا سياسيًا قادرًا على مخاطبة النخب ، لا الجماهير وحدها ، وعلى العمل داخل مؤسسات الدولة لا خارجها .
ويركّز الكتاب على إعادة الترابي صياغة مفاهيم مركزية مثل الشورى والشرعية والسيادة ، في إطار يسمح ببناء دولة حديثة ذات مرجعية إسلامية ، دون الوقوع في نموذج الدولة الثيوقراطية المغلقة .
ومن منظور إسرائيلي ، فإن هذا النموذج يهدد البنية الفكرية للنظام الإقليمي القائم ، لا عبر المواجهة المباشرة ، بل عبر تقديم بدائل شرعية منافسة .
رابعًا: التجديد الفقهي بوصفه أداة استراتيجية
يفسّر فايسبرود آراء الترابي التجديدية في قضايا المرأة والحريات والاجتهاد بوصفها جزءًا من استراتيجية واعية تهدف إلى تحصين المشروع الإسلامي من النقد الغربي ، وإعادة تقديمه في صورة قابلة للتداول في الفضاء الأكاديمي والسياسي الدولي .
ولا ينظر إلى هذه الطروحات باعتبارها نزوعًا ليبراليًا ، بل باعتبارها توظيفًا ذكيًا لأدوات الحداثة لخدمة مشروع أيديولوجي طويل الأمد.
خامسًا : الدولة والسلطة ومصدر القلق الإسرائيلي
يولي الكتاب اهتمامًا خاصًا بتجربة الترابي في الحكم ، معتبرًا أن انتقال الإسلام السياسي من موقع المعارضة إلى موقع الدولة يمثل أخطر مراحل تطوره.
فالإسلاميون ، وفق هذا التحليل ، عندما يصبحون فاعلين ورجال دولة ، يتحولون إلى عنصر سيادي يصعب عزله أو احتواؤه أمنياً .
كما يتوقف فايسبرود عند العلاقة المعقدة بين الترابي والمؤسسة العسكرية ، معتبرًا تحالفه معها تحالفًا وظيفيًا مرحليًا ، يعكس فهمًا عميقًا لمنطق السلطة ، ويزيد من قابلية هذا النموذج للتكرار في بيئات عربية وإسلامية أخرى .
سادسًا : الترابي وإسرائيل ، الخطر البنيوي طويل الأمد
لا يصنّف الكتاب الترابي كخصم عسكري مباشر لإسرائيل ، لكنه يراه خطرًا فكريًا وبنيويًا بعيد المدى .
فمشروعه يسهم ، بحسب التقدير الإسرائيلي ، في إعادة تشكيل الوعي السياسي الإسلامي ، وربط الصراع مع إسرائيل بسياق حضاري ممتد ، لا بظرف سياسي عابر .
خاتمة
تخلص الورقة إلى أن صدور هذا الكتاب عام 2013 عن مركز دايان ، بقلم دبلوماسي إسرائيلي متمرّس مثل أمير فايسبرود ، يعكس إدراكًا إسرائيليًا مبكرًا بأن التحدي الحقيقي لا يكمن في الأشخاص أو التجارب السياسية العابرة ، بل في الأفكار القابلة للاستمرار وإعادة الإنتاج .
ومن هذا المنظور ، فإن حسن الترابي رغم إنقطاع تجربته السياسية ، فقد ظل حاضرا في الوعي البحثي الإسرائيلي بوصفه أحد أخطر منظري الإسلام السياسي في العصر الحديث .
