مهند عوض محمود
في كل دول العالم تقريباً، حين تضرب الحروب الاقتصاد، تتحرك الحكومات لتخفيف الأعباء عن القطاع الخاص، وتأجيل الضرائب والديون، وتقديم الحوافز، ومحاولة إبقاء عجلة الإنتاج والتجارة حية بأي وسيلة ممكنة. أما في السودان، فقد بدا المشهد مختلفاً بصورة تثير الدهشة؛ فكلما ازدادت الحرب قسوة، ازدادت معها الرسوم والجبايات والضرائب، حتى أصبح كثير من أصحاب الأعمال يشعرون أن معركتهم لم تعد فقط مع الحرب، بل مع تكلفة البقاء نفسها.
المشكلة الحقيقية لم تعد في الدمار وحده، بل في الطريقة التي تُدار بها الدولة اقتصادياً. فبدلاً من التعامل مع القطاع الخاص باعتباره شريكاً في إعادة بناء الاقتصاد، أصبح يُعامل في كثير من الأحيان باعتباره هدفاً دائماً للتحصيل.
في أم درمان وحدها، هناك تجار فقدوا محلاتهم بالكامل؛ بعض الأسواق تعرضت للحريق أو النهب أو التدمير، وآخرون ظلوا لأشهر طويلة خارج النشاط التجاري تماماً. ومع ذلك، فوجئ كثير من الممولين بتقديرات ضريبية عن أعوام 2023 و2024 وكأن شيئاً لم يحدث، وكأن الحرب لم تقع، وكأن المحلات لم تُغلق، وكأن البضائع لم تُنهب، وكأن أصحاب الأعمال لم يخسروا رؤوس أموالهم.
ثم جاءت المفارقة الأكثر قسوة: عندما بدأ بعض التجار في العودة وفتح محلاتهم مجدداً في أسواق أمدرمان والخرطوم والسجانة، بدأت المحليات تطالبهم برسوم المحلات التجارية ورسوم النظافة ورسوم اللوحات ورسوم المهن ورسوم الأنشطة المختلفة، رغم أن كثيراً منهم بالكاد يحاول استعادة الحد الأدنى من نشاطه بعد سنوات من التوقف والخسائر.
وفي هذا السياق، جاءت قرارات رئيس الوزراء كامل إدريس بإلغاء بعض الجبايات والرسوم والضرائب والزكاة كخطوة إيجابية من حيث المبدأ، خاصة بعد حديثه الصريح عن أن الجبايات أفقرت المواطن ولم تُغنِ الدولة. لكن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بإعلان الإلغاء، بل بماهية هذه الجبايات أصلاً، وكيف تعمل، ومن الذي يفرضها، وهل تملك الحكومة المركزية فعلاً السيطرة الكاملة عليها؟
فهنا تبدأ العقدة الحقيقية في الاقتصاد السوداني. كلمة “الجبايات” نفسها أصبحت في السودان مصطلحاً واسعاً يضم عشرات الأنواع المختلفة من التحصيل. هناك ضرائب اتحادية تذهب إلى وزارة المالية، وهناك زكاة، وهناك رسوم ولائية، ورسوم محليات، ورسوم أسواق، ورسوم عبور، ورسوم خدمات، ورسوم مهن، ورسوم نظافة، ورسوم لوحات، ورسوم نقل، ورسوم تفتيش، ورسوم تخليص، ورسوم جودة، إضافة إلى تحصيلات أخرى تُفرض عملياً على الطرق والأسواق دون تعريف واضح أو مقابل حقيقي.
اقتصادياً، هناك فرق كبير بين الضريبة والرسم والجباية. الضريبة تُفرض بقانون واضح وتدخل ضمن الموازنة العامة للدولة. أما الرسم فيُفترض أن يكون مقابلاً لخدمة محددة، كالنظافة أو الترخيص أو استخدام مرفق معين. لكن الجباية تبدأ حين يتحول التحصيل نفسه إلى هدف مستقل، وحين تدفع المؤسسات المختلفة نحو فرض رسوم متكررة على النشاط ذاته دون أي اعتبار للأثر الاقتصادي النهائي.
ولهذا فإن إلغاء الجبايات لا يمكن أن ينجح بقرار سياسي عام فقط، لأن المشكلة ليست في رسم واحد أو ضريبة واحدة، بل في فلسفة اقتصادية كاملة تشكلت عبر سنوات، تقوم على أن أسهل طريقة لزيادة الإيرادات هي فرض رسم جديد أو تحصيل إضافي، لا توسيع الإنتاج أو دعم الصادرات أو تنشيط الاقتصاد.
الواقع أن بعض الرسوم لا تخضع أصلاً لجهة واحدة. فقد تُلغى ضريبة اتحادية بينما تستمر الرسوم الولائية، أو تُخفف رسوم المركز بينما تبقى رسوم المحلية ورسوم الأسواق والأنشطة كما هي. لذلك فإن التحدي الحقيقي ليس في إعلان الإلغاء، بل في تفكيك شبكة التحصيل المعقدة التي نشأت عبر السنوات وأصبحت عبئاً مباشراً على الاقتصاد.
والأخطر أن هذه الرسوم تُفرض في وقت يعاني فيه الاقتصاد أصلاً من انهيار التمويل وارتفاع تكلفة التشغيل وضعف القوة الشرائية وارتفاع سعر الدولار وتدهور البنية التحتية. أي أن الدولة تضيف أعباء جديدة فوق اقتصاد يترنح أصلاً تحت وطأة الحرب.
قبل الحرب بعدة أشهر، صدر قرار بفرض دمغة بنسبة 1% على أي تمويل مصرفي تمنحه البنوك ؛ القرار صدر من وزارة المالية دون توضيح واضح للغرض أو أوجه الصرف، وسرعان ما أطلق العاملون في القطاع المصرفي عليها اسماً ساخراً: “دمغة جبريل”.
وبطبيعة السودانيين الذين يواجهون أزماتهم بالسخرية أحياناً أكثر من الغضب، بدأ السؤال يتكرر داخل البنوك والشركات: أين تذهب هذه الأموال؟ وما الذي يستفيد منه الاقتصاد مقابلها؟ لا أحد كان يملك إجابة واضحة. كانت مجرد نسبة إضافية تُضاف إلى تكلفة التمويل المرتفعة أصلاً، في بلد يعاني من شح السيولة وتراجع النشاط الاقتصادي.
والمفارقة أن السودانيين عرفوا في السابق رسوماً مشابهة، لكنها كانت أوضح من حيث الغرض والأثر. فـ”دمغة الجريح” التي استمرت سنوات طويلة، كانت مادة دائمة للسخرية الشعبية، حتى أصبح الناس يقولون: “الزول الجريح دا لا شفى ولا مات”. لكن الناس عرفوا لاحقاً أن تلك الدمغة كانت تذهب إلى صندوق تطوير الخدمات الطبية التابع للقوات المسلحة، ومن خلالها تم تطوير مستشفى السلاح الطبي بأم درمان وإنشاء مستشفيات في مدني وكوستي والدمازين ودنقلا، إضافة إلى مستشفى القلب بالخرطوم. وكانت هذه المؤسسات تخدم العسكريين والمدنيين معاً بأسعار مناسبة في ذلك الوقت. لذلك، ورغم التذمر والسخرية، شعر كثيرون لاحقاً بأن هناك شيئاً ملموساً يُبنى أمامهم.
أما اليوم، فالمواطن يدفع عشرات الرسوم والجبايات والدمغات دون أن يرى تحسناً حقيقياً في الطرق أو الخدمات أو التمويل أو البيئة الاستثمارية أو دعم الإنتاج.
وفي الوقت الذي تتحرك فيه دول أخرى لتخفيض تكلفة الإنتاج وتحفيز الصادرات وجذب المستثمرين، يتحرك الاقتصاد السوداني في الاتجاه المعاكس تماماً؛ حيث يصبح المنتج أو التاجر أو صاحب المصنع محاصراً بطبقات متتالية من الرسوم والتكاليف منذ اللحظة الأولى.
المشكلة الأكبر أن الاقتصاد السوداني لم يعد يُدار كرؤية وطنية متكاملة، بل كجزر منفصلة. كل جهة تبحث عن مواردها الخاصة بمعزل عن أثر ذلك على الاقتصاد الكلي. الولاية تريد زيادة تحصيلها، والمحلية تبحث عن إيراداتها، والمؤسسات المختلفة تفرض رسوماً متفرقة، بينما يغيب السؤال الأساسي: كيف يمكن للاقتصاد أن يتعافى أصلاً تحت هذا الحمل الهائل؟
النتيجة أصبحت واضحة في كل شيء: ارتفاع أسعار السلع، تراجع الصادرات، هروب رؤوس الأموال، توسع الاقتصاد غير الرسمي، ضعف النشاط الصناعي، وتآكل القدرة التنافسية للمنتج السوداني داخلياً وخارجياً.
الدول لا تُقاس فقط بحجم ما تجمعه من الأموال، بل بقدرتها على خلق بيئة تجعل الناس ينتجون ويستثمرون ويتوسعون. أما حين يتحول النشاط الاقتصادي نفسه إلى ساحة مطاردة بالرسوم والجبايات، فإن النتيجة الطبيعية ليست زيادة الإيرادات، بل انكماش الاقتصاد نفسه وتآكل القاعدة الضريبية التي تحاول الدولة تحصيلها.
السودان اليوم لا يحتاج إلى المزيد من الرسوم… بل يحتاج إلى إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والاقتصاد. يحتاج إلى دولة تدرك أن التاجر الذي عاد لفتح محله بعد الحرب يجب أن يُدعَم لا أن يُطارد بالرسوم، وأن المنتج الذي يحاول الاستمرار يجب أن تُخفف عنه الأعباء لا أن تُضاعف عليه، وأن بناء اقتصاد حقيقي لا يبدأ بكثرة التحصيل… بل بقدرة الناس على الإنتاج والعمل والاستمرار.