كلمات عن التجاني عبد القادر في يوم رحيله

د. عثمان أبوزيد ابوزيد ✍️

في شهر يناير الماضي نعى التيجاني عبد القادر حامد صديقه أحمد كمال الدين قائلا عنه: “لا أشك أنه ترك فراغا كبيرا بين إخوانه وزملائه ومحبيه في داخل السودان وخارجه”. هذا ما أقوله وأنا أتلقى هذا الصباح الخبر الفاجع بوفاة التيجاني… إن التيجاني يترك بيننا فراغا كبيرا.
لم نكن لنعرف تفاصيل عن رهط التيجاني ولا قبيله، فما كنا نهتم بذلك، وكأننا نقتدي بابن سيرين الذي تكلم عن المحدثين بأنهم لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا سموا لنا رجالكم!
التجاني من الجوامعة السريحاب الدقامشة في كردفان. مولود في قرية أم دم في ١٩٥١. متزوج من ابنة العم نجم الدين عباس فقير من آل العمدة عباس فقير بأملى المحس.
تقلد منصب المدير العام لإدارة التأصيل في التعليم العالي أول التسعينيات، ولم يستمر طويلا إذ انتدب للعمل في الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا عام ١٩٩٦.
ترك البروفيسور التيجاني إرثا زاخرا من الفكر الإسلامي، وكتابات صحفية في الغاية من الجودة والرصانة والعمق.
كتب مقالا أستعيد قراءته دائما بعنوان: المساهمات التاريخية والتفهم الإستراتيجي، وهو حصيلة حوارات مع مجموعة من كبار السياسيين في السودانيين. ذهب إليهم مع عبد المحمود الكرونكي بعد أن تلقوا وصية وهم خريجون جدد من الشيخ محمد صادق الكاروري بأن يطوفوا على عدد من هؤلاء السياسيين ويستمعوا لهم. وقد خرج هو وأخوه عبد المحمود بحصيلة من الافكار الناضجة أفرغها التيجاني في مقال فريد. ولعل من أبلغ ما توصلا إليه أن هذه الجولة كانت تدريبا على تفهم الآخر وأن التفهم أمر ممكن، ذلك أن الجميع لديهم كثير من المنطلقات الفكرية المشتركة. و”أننا في الواقع لا نملك غير وطن واحد وأن علينا في نهاية المطاف أن نتعلم كيف نعيش فيه معا”. وذهب التيجاني إلى القول: “الاتحاديون وحزب الأمة لا يختلفون عنا كثيرا”.
التيجاني مفكر من الطراز الفريد، ولعل كتابه أصول الفكر السياسي في القرآن الكريم مما يستجاد في بابه.
وهذا مجال لا تصلح الكتابة فيه بعجالة، وعسى أن نعود إليه، ولا سيما التغير الذي طرأ في ولائه أخيرا، وهذا جانب يحصل فيه سوء الفهم. ففي طور من أطوار الحياة قد يصاب الإنسان بالنظرة الشاملة، فينكص عن التزام حزبي أو ولاء تنظيمي. هذا أمر قابل “للتفهم”، أما المهم والمعول عليه دائما فهو الولاء العام للإسلام والمسلمين، لا الولاء للافتة أو شارة، وإلا ماذا يعني ذلك الشعار المرفوع: لا ولاء لغير الله؟!
ولا يفوتني أن أسرد هنا ملمحا طريفا في حياة التيجاني عبد القادر وهو قصة تهريب بولاد والتجاني من معتقل دبك على أيامنا هنالك.
يقع سجن (دبك) شمال مدينة الجيلي بحوالي عشرين كيلومترا، والمسافة بينه وبين الخرطوم نحو ثمانين كيلومترا.
بُني السجن قريبًا من النيل حتى إن إمداد السجن بالمياه كان عبر ماسورة تملأ الحوض الذي نأخذ منه للوضوء والاغتسال والشرب.
أذكر أن أفعى ضخمة دخلت من هذه الماسورة إلى السجن، وكسر ذلك الحدث شيئًا من رتابة السجن، ولا يحدث تغيير يُذكر في تلك الرتابة إلا باستقبال معتقل جديد أو الإفراج عن معتقل، بيد أن الإفراج كان نادرًا.
أما الحدث الذي أضفى على أيام المعتقل حيوية وإثارة فقد جاء بعد ذلك. ذات نهار استقبلنا معتقلا جديدًا هو رئيس اتحاد الطلاب بالإنابة في جامعة الخرطوم التجاني عبد القادر حامد. وعلمنا أن رجال الأمن الذين سلموه للمعتقل لم يتعرفوا عليه فقد أعطاهم اسمًا آخر، لعله أحمد عبد الكريم إن لم تخني الذاكرة.
بعد أيام قليلة سرى داخل المعتقل خبر بأن التجاني جرى تهريبه بنجاح من السجن ومعه داود يحيى بولاد.
تقوم إدارة بأخذ التمام للمعتقلين مرتين في اليوم مرة صباحًا ومرة ثانية في العصر. تضرب الصافرة، فنجلس (خمسات)، كل خمسة في صف، ويأتي اثنان من العساكر ويتولون العدّ وينصرفان بعد التأكد أنهم تامِّين.
الغريب أنه في اليومين اللذين أعقبا تهريب الأخوين بولاد والتجاني كان عدد المعتقلين تامًا، إذ كانت تحصل عملية تمويه.
عادة ما كان أحد العساكر يدخل العنابر في حال وجود نقص، فيجد مريضا ملازمًا سريره، أو يدق أبواب الحمامات ويتأكد من وجود شخص داخل الحمام.
كان الحمام يفصله من الحمام الآخر حائط غير مكتمل البناء إلى السقف. يرقد أحدهم على الحائط، وعندما يأتي العسكري يحدث صوتًا بما يشير بوجود شخصين بالداخل. ويصنعون فوق سرير بأحد العنابر منظر شخص راقد مغطى، وكثيرًا ما كانت الملاريا سببًا لملازمة السرير وعدم القدرة على حضور التمام.
في صباح اليوم الثالث ظهر العد ناقصًا اثنين. وسرعان ما ذهب الجندي إلى المكتب وأتى بدفتر وجعل ينادي في الأسماء. عند النداء على اسم الأخ داود يحيى بولاد وتكرار الاسم ساد الصمت، وعندئذ أتى العسكري (عَمْ وَنْدية) بحركة مضحكة؛ وضع يديه تحت ذقنه وأخذ يحركهما من أسفل إلى أعلى، بما يعني: كيف لشخص كبير بدقنه يهرب من السجن. ثم نادوا على اسم أحمد عبد الكريم فلم يجب أحد…
سجن دبك له سور أقصر من سجن كوبر، عليه سلك شائك. وسور كوبر مع علوه الشديد، فوقه ممر يسير عليه (الديدبان) جيئة وذهابًا بين أبراج السجن بكشافاتها الصفراء الكئيبة.
لم أعرف تفاصيل خطة التهريب، لكني علمت من بعد أن أحدهم تولَّى إلهاء الديدبان بالجلوس تحت البرج والدخول معه في أنس يصرفه عن المراقبة، وأمكن ربط حبل في السور للتسلق به والهبوط من الناحية الأخرى.
سألت الأخ التجاني عبد القادر عن كيفية وصولهم إلى الخرطوم، وكنت سمعت بأنه كان مصابًا بالملاريا وأن سبب إخراج بولاد معه أن يعين التجاني في أثناء المشي ويحمله إن اقتضى الأمر.
قال لي التجاني: “لم أكن مصابًا بملاريا أو أي مرض وخروج المرحوم بولاد معي جاء كفكرة إضافية إذ أنه كان رئيس الاتحاد المنتخب وتم اعتقاله قبلي. وكنت أتولى في الخارج منصب الرئيس بالإنابة فرأى بعض الإخوة أنه إن كان في الإمكان الخروج من المعتقل فلماذا لا نخرج معًا حتى إذا أعيد اعتقال أحدنا قام الآخر مكانه”.
ويستطرد الأخ التجاني: “أما الخروج من سجن دبك والوصول إلى الخرطوم بحري فقد كان سيرًا على الأرجل وقد استغرق بين 4-5 ساعات من المشي السريع المتواصل. ولم نكن نتكلم ولم نكن نقترب من شارع الأسفلت حتى لا يرانا أحد. حينما وصلنا بحري وقد لاحت تباشير الصباح؛ عرفنا أننا قد نجونا بحمد الله ولكن المشكلة أنه لم تكن معنا نقود لأجرة البص. أشرنا إلى أحد اللواري المتجهة إلى أم درمان. وصلنا أم درمان وذهبنا إلى منزل للعزابة كنت على دراية به من قبل”. (انتهت)
رحم الله الأخ التيجاني ونسأله تعالى أن ييمن كتابه وييسر حسابه ويبرد ترابه.
إنا لله وإنا إليه راجعون.

Exit mobile version