المسلمي البشير الكباشي
صبراً الزميلة الصحفية المثابرة رشان أوشي ،قطعاً تعانين قسوة السجن ،ووحشة الزنزانة ،ولكنك تضعين الجميع ،السلطة والسياسيين والصحفيين والناس كافة في مفترق طريق ..الاختيار فيه يحدد مستقبل هذا البلد بين القمع والحرية،بين النزاهة والفساد ، بين وضاءة المستقبل ،وقتامة المحتملات ..بين استقامة المسار والتواء المسارات ..لن نطعن في نزاهة قضائنا ،إذ مشهود له ومشهور عنه الكفاءة والعدالة ، وعليه التعويل في بلد يحبه أهله ومن أجله يُضَحُون ،ولكنّا نذَّكِر أنَّ الإعلام الحر هو رديف القضاء لكشف الحقيقة ،وأداته لإضاءة المعتمات من دهاليز يتعفن فيها الفساد .. وعيونه في آفاق الرقابة الفسيحة ..نثق في نزاهة القضاء ولكنّا نتطلع إلى تقدير للصحافة الحرة حتى حين تخطأ .. فرق كبير بين من استهدف الصواب فأخطأه ،وبين من استقصد الخطأ فأصابه . وظنُنا دون – دعوى علمٍ بالقضاء -أنَّ العقوبة تختلف نوعاً بين هذا وذاك .. لا نطلب امتيازاً يحول دون العدالة ،ولكنّا نأمل تقديراً يصوب الاتجاه ،ويعزز الدور الذي تلعبه الصحافة المسؤولة في تنقية المناخ الوطني وتعزيز اعتداله .
نخشى ما هو أكبر من ذوات الصحفيين وأوجاعهم ، حين تُجرُ الصحافةُ الى ساحات المحاكمة الجنائية الصارمة ،نخشى من التأسيس لبيئة الخوف والتوجس،وقد علمتنا التجارب أن هذا مسعى مستدام لدى مُعظم السياسيين عبر مختلف حقب الحكم في بلادنا .وهذا مع أنّه وصفة ممتازة لفشل السياسة
،فهو قطعاً يعاكس الدور الذي تؤديه الصحافة في كشف الحقائق والذي يتطلب بالضرورة توفير مساحة آمنة للحرية .
عندما يُعاقَب الصحفي بقسوة مفرطة بسبب خطأ إجرائي ،أو رأي ناقد، أو حتى ضعف مهني فإنَّ الرسالة المبطنة التي يتلقاها المجتمع هي دفع الصحافة نحو الصمت وطأطأة الرأس عند كل موقف يتطلب رفعه . وسيقود ذلك قطعاً إلى حجب الحقيقة ويُضعف الرقابة الشعبية التي تمثل الصحافة خط دفاعها الأول. وأهم غايات المهنة لدى الصحافة والقضاء هو البحث عن الحقيقة ، فالصحافة يد القضاء الممدودة بالحقيقة من مخابئ قد لا يصلها التحقيق القضائي المقيد بحدود إجرائية ومعايير تقتضيها العدالة ،ولكن الصحافة تدفعها الجرأة وربما المغامرة ليس بحثاً عن صدام ولكنها ليست في مأمن من ارتطام .
إن الشعور بالقسوة في إطلاق الأحكام القضائية أو الإدارية ضد المؤسسات الإعلامية وصنّاع المحتوى يؤدي إلى تراجع دور الإعلام الاستقصائي، ويجد الجميع مجتمعهم أمام إعلام باهت لا يملك سوى الهتاف والتصفيق، وهو أمر لا يبني أوطاناً ولا يصنع مستقبلاً، بل يصنع بيئةً يتمدد فيها الفساد دون أن يخشى رقيباً أو عدالة .. ولهذا راجعت كثيرٌ من النظم القضائية الطريقة والمدى الذي تحاكم به الصحافة فانتقلت به من الجنائي إلى المدني ، حرصاً على العدالة ،وتقديراً لتوأمة البحث عن الحقيقة بين القضاء والصحافة.
القضاء العادل والصحافة الحرة هما أساس قوام الدولة،
دولة القانون التي ترتكز على أهم دعامتين هما استقلال وحياد كلٍ من القضاء والصحافة .وللطرفين دور هام في هذا الاستقلال ،فالصحافة الحرة تستمد استقلالها من حماية القضاء لها ليس انحيازاً ،بل إيماناً بدورها وتمكيناً لها لأدائه ..
فالمعايير الدولية تُشير إلى أنَّ العلاقة بين السلطة القضائية والصحافة علاقة توأمة واعتمادية وتكامل فاستقلال القضاء هو الضمانة الحقيقية لحماية حرية التعبير واستمرار الصحافة الحرة، وفي المقابل، تعتبر الصحافة الحرة والموضوعية الحصن الذي يدافع عن استقلالية القضاء وهيبته.
هذه معادلة تحتاجها بلادنا لتنهض على أكتاف قضاء مستقل مهيب ،وصحافة حرة تضع المشهد الاجتماعي كله تحت اضواء كاشفة متسلحةبمهنية صارمة ،ومعايير اخلاقية حاسمة. وبهذه الموازين يصبح كلا الصحافة والقضاء حملة وحرّاس معنى الدولة .
ولأن مواجهة الفساد كيف كان شكله ،وأنّى كان مصدره هو ما يجب أن يكون الفكرة المركزية التي تقوم عليها الدولة ،وعلى الرغم من انتفاء حقيقة طهرانية الدولة أية دولة كلياً فإن الكارثة ليست في وجود الفساد فقط ،وإنما في حالة التسامح معه ،وغياب الذين يحملون راية مواجهته ..ولا يعني ذلك حصانة قضاء أو صحافة أي مجتمع في العالم من إمكانية تسلل الفساد إلى أوصاله.
ولتمكين حُراس المعني ،(قضاءً وصحافةً ) لابد من مستويين من الإصلاح :
الاول قانوني يعيد تنظيم القانون الذي تتحاكم إليه ،وتحكم به الصحافة ،يراعي ردعها من التعدي على حقوق الآخرين ،ويُمكِّنها في الوقت ذاته من أداء مهمتها دون تحشيد كل القوانين في مواجهتها ،وكلما حاولت أداء دورها تتوجس من إنفجار لغم قانوني تحت قدميها .
والإصلاح الثاني ،صحافي مهني يتوجه إلى تدريب الصحفيين وتوجيههم لإمتلاك ناصية المعيارية المهنية التي تبلغ بالممارسة ما يليق بها من احترافية ،وتضبطها بأخلاق مهنية تحول دون توظيفها في معارك بعيدة عن جوهر وظيفتها ،ما يؤسس مناعة اخلاقية تستكن ضمير الصحافة .
شخصياً لدى مساحات اختلاف معتبرة مع الزميلة رشان أوشي ،ولكني أقدر لها دورها المشهود في الوقوف مع جيش وطنها في معركة الكرامة ،وأبهى تجليات هذا الوقوف مثابرتها على فضح الفساد ،وكشف أوكار جرائمه..وكما يخطأ كل الناس هي تخطئ .
من قبيل :
فإنْ يَكُنِ الفِعْلُ الذي ساءَ واحداً
فأفعالُهُ اللائي سَرَرْنَ أُلُوفُ
مهما يكن الحكم الذي وقع على الزميلة رشان فإن تجارب سجن الصحفيين تنتهي إلى تقويتهم مهما تكن فداحة الثمن المدفوع ،هذا على المستوى الشخصي،ولكنه مضر بالصحافة على مستواها الأشمل .
نقدر الجهود المبذولة ونرجو ان تنتهي حكاية رشان بعفو يجنبها مكوث سنة في الزنزانة ، وتلك واحدة من انجع أساليب التسويات وفض الاشتباكات وتخفيف التوترات في التقاليد السودانية.