عادل الرفاعي أبوالحسن
عندما نتحدث عن أزمة الكهرباء في السودان، فإن الأمر لا يتعلق فقط بانقطاع التيار، بل يكشف عن أهمية وجود رؤية استراتيجية لإدارة موارد الدولة الحيوية واستدامتها. واليوم يبرز سؤال لا يقل أهمية: قبل أن نفاجأ بأي اضطراب في جريان النيل، أين سياستنا المائية؟
فالنيل ليس مجرد مصدر للمياه، بل هو شريان الحياة في السودان؛ ترتبط به الزراعة، والطاقة، والتنمية، واستقرار حياة الإنسان والحيوان والنبات والبيئة. ولذلك فإن إدارة هذا المورد العظيم لا يمكن أن تقوم على ردود الأفعال، بل تحتاج إلى رؤية علمية وسياسة واضحة تستند إلى المعرفة والتخطيط المستمر.
لقد شهد السودان تجربة مهمة في هذا المجال من خلال وحدة تنفيذ السدود، وفي مقدمتها مشروع سد مروي. ولم يكن الأمر مجرد إنشاء سد لتوليد الكهرباء، بل كان جزءاً من رؤية دولة؛ رؤية ولدت من إرادة، وتحولت إلى استراتيجية، ثم وجدت رجالاً عملوا على تحويلها إلى واقع بعزيمة وإصرار.
لقد تعاملت وحدة تنفيذ السدود مع ملف المياه باعتباره قضية استراتيجية تتعلق بمستقبل السودان، وليس مجرد مشروع هندسي محدود. ومن هذا المنطلق أُعدت سياسة مائية متكاملة للسودان، هدفت إلى وضع أساس علمي لإدارة الموارد المائية وربطها بالنهضة الزراعية والتوليد الكهربائي والتنمية المستدامة.
ومن أبرز ما ارتبط بهذه التجربة إنشاء أول مركز متخصص للدراسات الهيدرولوجية في السودان، ليكون قاعدة علمية لجمع المعلومات وتحليلها ودعم القرار. كما قادت الوحدة جهوداً واسعة لدراسة النيل بصورة شاملة، شملت التصوير الجوي، والمسح المائي، والمسح الزلزالي، والدراسات الهيدرولوجية والفنية اللازمة.
وقد أسهمت هذه الدراسات في بناء معرفة دقيقة عن النيل وموارده، وتحديد الإمكانات المتعلقة بمواقع السدود، وطاقة كل سد، وقدرات التوليد الكهربائي، وسعات التخزين، وأحواض المياه، ومساحات البحيرات. وهذه ليست أعمالاً فنية عابرة، بل هي علم دقيق وعمل استراتيجي يؤسس لإدارة مورد بحجم وأهمية نهر النيل.
إن ما قامت به وحدة تنفيذ السدود يمثل نموذجاً عندما تتوفر رؤية الدولة وإرادتها؛ فقد بذل مهندسون وخبراء سودانيون جهداً كبيراً لبناء قاعدة معرفية تخدم مستقبل البلاد. وهذه الخبرات والدراسات تمثل ثروة وطنية لا ينبغي أن تبقى في الملفات، بل يجب مراجعتها وتحديثها والاستفادة منها.
فالسياسة المائية ليست مجرد وثيقة، بل هي خارطة لإدارة أهم مورد في السودان؛ فهي تحدد كميات المياه، ومواسم تدفقها، واستخداماتها، واحتياجات القطاعات المختلفة. وكما تحتاج الدولة إلى معرفة عدد السكان لتحديد احتياجاتهم من المدارس والمستشفيات والخدمات، فإنها تحتاج كذلك إلى معرفة دقيقة بمواردها المائية حتى تخطط للزراعة والطاقة والتنمية.
كما أن السياسة المائية هي الأداة التي تساعد السودان على مواجهة مختلف الاحتمالات، سواء تعلق الأمر بتغير معدلات تدفق النيل، أو مواسم الفيضان، أو أي تحديات مستقبلية، بما يضمن الاستخدام الأمثل للمياه ويحفظ حقوق السودان ومصالحه.
واليوم، بينما ينشغل الجميع – بحق – بأزمة الكهرباء وقطوعاتها، يبرز سؤال آخر: لماذا لا يكون الاهتمام بالسياسة المائية بنفس المستوى؟ فالكهرباء مرتبطة بالمياه، والزراعة مرتبطة بالمياه، ومستقبل السودان مرتبط بهذا المورد العظيم.
إن السؤال ليس: هل توجد سياسة مائية؟ بل السؤال: أين هي؟ ولماذا لم تُفعّل وتُجعل مرجعاً أساسياً في إدارة موارد السودان؟
كما أن المؤسسات الاستراتيجية لا تُبنى لأشخاص ولا ترتبط بمسؤولين بعينهم، فهي ملك للدولة والمواطنين والأجيال القادمة. لذلك يجب أن تبقى هذه المؤسسات والسياسات بمنأى عن الحسابات الآنية، لأن الأفراد يتغيرون، أما الدولة فتستمر، وما يخدم الوطن يجب أن يبقى ويتطور.
لقد كشفت محنة الحرب أكثر من أي وقت مضى أهمية ترتيب الأولويات والعودة إلى التفكير الاستراتيجي. فالمرحلة القادمة تحتاج إلى دولة تعرف ما هو استراتيجي وما هو سياسي، وما يجب أن يبقى فوق التغيرات والظروف.
إنها أمانة تاريخية ومسؤولية وطنية في أعناق المسؤولين اليوم؛ يسألهم عنها المواطن السوداني، ويسألهم عنها السودان، وستسألهم عنها الأجيال القادمة.
فقبل أن نفاجأ باضطراب جريان النيل… علينا أن نسأل: أين سياستنا المائية؟