رمضان أحمد
ذكر أحد الأصدقاء أنني تنبأت مبكراً بفوز عبد الرحمن السيد في الانتخابات النهائية، بعد انتصاره في الانتخابات التمهيدية. والحقيقة أنني لم أكن أتنبأ بقدر ما كنت أقرأ الوقائع والمؤشرات الماثلة أمامي، وأستخلص منها النتائج التي بدت لي منطقية.
كان أبرز تلك المؤشرات الحضور القيادي اللافت لشخصية عبد الرحمن السيد، وقدرته على تجاوز الخطاب السياسي التقليدي الذي ظل مهيمناً على الساحة الأمريكية لعقود. فقد بدت شخصيته مختلفة عن الصورة النمطية التي صنعها نفوذ جماعات الضغط، وفي مقدمتها اللوبي الصهيوني، حتى أصبح كثير من السياسيين الأمريكيين أسرى لخطابات مكررة ومواقف باهتة، لا تعكس تطلعات قطاعات واسعة من المجتمع الأمريكي.
لم يكن صعود عبد الرحمن السيد مجرد حدث انتخابي عابر، بل جاء في سياق تحولات عميقة داخل المجتمع الأمريكي، وفي ظل تراجع الثقة بالطبقة السياسية التقليدية. ويمكن القول إن الساحة كانت مهيأة لظهور شخصية تمتلك صفات قيادية حقيقية، وتخاطب الناس بلغة مباشرة، وتطرح قضاياهم بعيداً عن الحسابات التي تفرضها مراكز النفوذ والمال.
تكمن قوة عبد الرحمن السيد في كاريزميته الشخصية، وفي قدرته على إيصال الأفكار المعقدة بلغة بسيطة ومباشرة يفهمها المواطن العادي. والأهم من ذلك أن خطابه السياسي جاء في وقت بدت فيه الساحة الأمريكية وكأنها تعاني جفافاً في القيادات القادرة على إلهام الناس وكسب ثقتهم.
ولعل من أبرز أسباب هذا التراجع، وفق هذه القراءة، أن المال السياسي ونفوذ جماعات الضغط أسهما في صناعة طبقة من السياسيين الذين يعتمدون على تمويل الحملات الانتخابية من أصحاب المصالح والنفوذ، الأمر الذي يجعلهم أكثر عرضة للتأثر بأجندات الممولين. وقد أدى ذلك إلى إضعاف استقلالية الخطاب السياسي وإفراغه من كثير من مضمونه.
من هنا، كان موقف عبد الرحمن السيد من التمويل السياسي أحد أبرز عناصر تميزه؛ فقد رفض الاعتماد على أموال الأثرياء، ودعا إلى إبعاد المال عن العملية السياسية، بما يضمن استقلال القرار السياسي وخضوعه لإرادة الناخبين لا لمصالح الممولين.
كما اتخذ موقفاً واضحاً من إرسال أموال دافعي الضرائب الأمريكيين إلى الخارج لتمويل الحروب أو دعم دول متهمة بارتكاب انتهاكات جسيمة، مؤكداً أن المواطن الأمريكي أولى بهذه الأموال، وأن الأولوية ينبغي أن تكون لمعالجة مشكلاته الداخلية، وفي مقدمتها التعليم والرعاية الصحية وتحسين مستوى المعيشة.
ولم يكن موقف عبد الرحمن السيد من القضية الفلسطينية تفصيلاً ثانوياً في خطابه السياسي، بل شكّل أحد أبرز ملامح اختلافه عن السائد في المؤسسة السياسية الأمريكية. فقد وقف ضد توجيه أموال دافعي الضرائب إلى دعم دولة ترتكب، بحسب توصيفه، جرائم إبادة جماعية بحق الفلسطينيين، وهو موقف وجد صدى لدى قطاعات من الناخبين الأمريكيين الذين باتوا أكثر انتقاداً للسياسات الإسرائيلية وللدعم الأمريكي غير المشروط لها.
ومن هذه الزاوية، فإن أي تحول في موازين القوى السياسية داخل الولايات المتحدة، إذا قاد إلى مراجعة الدعم المالي والعسكري والسياسي المقدم لإسرائيل، ستكون له تداعيات كبيرة على مستقبل القضية الفلسطينية وعلى موقع إسرائيل في المنطقة.
وقد ظهرت في الآونة الأخيرة مؤشرات على اتساع دائرة القلق داخل بعض الأوساط اليهودية والصهيونية بشأن مستقبل إسرائيل، حتى إن شخصيات معروفة بدعمها لقيام الدولة الإسرائيلية عبّرت عن مواقف متشائمة حيال مستقبلها. ومن بين ما أُعلن في هذا السياق تصريح لرئيس المحفل العالمي لليهود، الذي تحدث عن تبرعه بمنزله في تل أبيب وعدم رغبته في العودة إليها.
ولا يتسع المجال هنا لاستعراض جميع التصريحات والمواقف التي تعكس هذا القلق، لكن من الواضح أن مستقبل إسرائيل لم يعد بمنأى عن النقاش والانتقاد، حتى داخل بعض الدوائر التي ارتبطت تاريخياً بدعمها.
ومع ذلك، فإن تراجع الدعم الأمريكي لإسرائيل، إن حدث، لن يعني بالضرورة زوالها بصورة تلقائية أو سهلة؛ فالتغيرات السياسية الكبرى لها مسارات معقدة، وقد تتحمل دول عربية كثيرة تبعات مواقفها السابقة وعلاقاتها مع إسرائيل، فضلاً عن التداعيات الإقليمية التي قد تترتب على أي تحول من هذا النوع.
قد يكون أقرب السياسيين الأمريكيين إلى عبد الرحمن السيد، من حيث الحضور الشخصي والقدرة على مخاطبة الجمهور، هو الرئيس الأسبق باراك أوباما. غير أن الفارق بين التجربتين، في تقديري، يكمن في طبيعة العلاقة مع مراكز النفوذ داخل الدولة الأمريكية.
فقد وصل أوباما إلى السلطة محمّلاً بتطلعات كبيرة، لكنه وجد نفسه محاطاً بمؤسسات ومراكز قوى راسخة، حالت دون تحقيق كثير من الوعود والتوجهات التي عبّر عنها في خطابه السياسي. أما عبد الرحمن السيد، فقد بنى خطابه منذ البداية على نقد نفوذ هذه المراكز، ومواجهة تأثير الدولة العميقة في صناعة القرار، وهو ما مكّنه من مخاطبة شريحة واسعة من الناخبين الذين يشعرون بأن النظام السياسي لا يستجيب لأولوياتهم.
ولكي نكون منصفين، فإن صعود عبد الرحمن السيد لا يمكن تفسيره بشخصيته وحدها؛ فهناك ظروف داخلية وخارجية أسهمت في تهيئة المناخ لهذا التحول. وأبرز هذه الظروف حدثان مهمان: أولهما أحداث السابع من أكتوبر وما أعقبها من حرب إسرائيلية مدمرة على الفلسطينيين، وما أثارته من نقاش واسع داخل المجتمع الأمريكي بشأن طبيعة الدعم الأمريكي لإسرائيل. أما الحدث الثاني فهو الحرب على إيران وما ترتب عليها من انعكاسات سلبية على الأوضاع الاقتصادية والمعيشية داخل الولايات المتحدة، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة تساؤلات الناخب الأمريكي حول كلفة الانخراط العسكري الأمريكي في الخارج وأولويات الإنفاق العام.
إن فوز الديمقراطيين على نطاق واسع في الانتخابات، ولا سيما الفوز في ولاية ميشيغان، لن يكون مجرد انتصار في سياق التنافس المعتاد بين الحزبين. بل قد يمثل مؤشراً على تحولات أعمق في المزاج السياسي الأمريكي، وعلى بداية مراجعة لعدد من الثوابت التي حكمت السياسة الداخلية والخارجية للولايات المتحدة لعقود.
فعلى الصعيد الداخلي، قد يعني ذلك تصاعد المطالب بتوجيه الموارد العامة نحو التعليم والصحة والخدمات الأساسية، بدلاً من إنفاقها على الحروب والتدخلات الخارجية. وعلى الصعيد الدولي، قد يفتح الباب أمام مراجعة الدور الأمريكي التقليدي بوصفه شرطي العالم، وإعادة النظر في طبيعة العلاقات مع الأنظمة والحكومات التي تتلقى الدعم الأمريكي.
أما بالنسبة للقضية الفلسطينية، فإن اتساع مساحة الأصوات السياسية المنتقدة للسياسات الإسرائيلية قد يشكل تحولاً مهماً في طبيعة النقاش الأمريكي حول فلسطين، وفي مستقبل الدعم الذي تحظى به إسرائيل من واشنطن.
من هنا، أرى أن صعود عبد الرحمن السيد قد يمهد له طريقاً سياسياً أوسع داخل الحزب الديمقراطي، وربما يضعه في موقع متقدم ضمن الشخصيات المرشحة للعب دور محوري في الانتخابات الرئاسية المقبلة. وإذا استمرت هذه التحولات، فقد يصبح أحد أبرز الأوراق السياسية التي يعوّل عليها الديمقراطيون في معركتهم الانتخابية القادمة.
إن ما يجري لا يتعلق بفوز مرشح أو حزب فحسب، بل برسائل متعددة يوجهها الناخب الأمريكي إلى طبقته السياسية وإلى العالم: أن قضايا الداخل لم تعد تحتمل التأجيل، وأن المال السياسي لا ينبغي أن يظل صاحب الكلمة العليا، وأن الدعم الخارجي والسياسات الدولية يجب أن يخضعا لمراجعة حقيقية في ضوء مصالح المواطنين وقيم العدالة وحقوق الإنسان.
وهذه، في تقديري، هي الدلالة الأهم لصعود عبد الرحمن السيد.
غير أن الرسالة الأبلغ للشعوب التي استسلمت للنخب الفاسدة التي عطلت حركة التقدم والتطور في بلدانها، السياسية منها والعسكرية والعائلية، أن النظام الديمقراطي مهما حمل عيوباً فإنه بنفس القدر يحمل آليات الإصلاح الذاتي من خلال ضخ دماء جديدة بمفاهيم جديدة.