رمضان أحمد
في إطار الحراك السياسي المحموم الذي يشهده السودان هذه الأيام، برزت أصوات ودوائر تنادي بفصل دارفور عن بقية البلاد. وينطلق أصحاب هذه الدعوة من تصور مفاده أن الإقليم أصبح مصدراً دائماً للاضطرابات، بسبب تعدد الحركات المسلحة، وتعقيدات الصراعات القبلية، وانتشار السلاح، وأن تعافي بقية السودان واستقراره يقتضيان التخلص من هذا العبء بفصل دارفور.
لكن السؤال الذي ينبغي طرحه قبل الانسياق وراء مثل هذه الدعوات هو: هل يؤدي انفصال دارفور فعلاً إلى استقرار بقية السودان وازدهاره؟ وهل ستكون دارفور نفسها أكثر أمناً واستقراراً بعد الانفصال؟ ثم ألا تزال تجربة جنوب السودان حاضرة أمامنا بما يكفي لاستخلاص الدروس؟
إن مناقشة قضية بهذه الخطورة لا ينبغي أن تنطلق من ردود الأفعال أو الغضب الذي ولدته الحرب الحالية، وإنما من محاولة فهم جذور الأزمة السودانية وطبيعة الدولة التي أنتجت، على مدى عقود، الحروب والانقسامات والتمردات والصراع المستمر على السلطة.
معالجة الأعراض لا تشفي المرض:
واحدة من أكبر مشكلات التفكير السياسي في السودان أن كثيرين ينشغلون بأعراض الأزمة بدلاً من البحث عن المرض نفسه.
وقد ينجح الإنسان في إخفاء أعراض المرض لبعض الوقت، لكن اختفاء الأعراض لا يعني أن المريض قد شُفي. وإذا كان التشخيص خاطئاً، فقد يصبح العلاج أكثر خطورة من المرض نفسه.
ومن هذا المنطلق، فإن الدعوة إلى فصل دارفور تشبه بتر ساق ظهرت عليها جروح مؤلمة قبل البحث عن أسبابها وإمكان علاجها. فالأزمة في دارفور ليست منفصلة عن أزمة الدولة السودانية، وإنما هي واحدة من أبرز تجلياتها.
إنها الأزمة نفسها التي قادت، في نهاية المطاف، إلى انفصال جنوب السودان.
لقد اعتقد كثير من السياسيين الجنوبيين أن المشكلة الأساسية تكمن في وجود الجنوب داخل دولة يهيمن عليها المركز، وأن المواطن الجنوبي يعيش مواطناً من درجة أدنى، ولذلك رأوا أن الحل يكمن في الانفصال وتأسيس دولة يصبح فيها الجنوبي مواطناً من الدرجة الأولى.
لكن بعد سنوات من قيام الدولة الجديدة، يظل السؤال مشروعاً: أين دولة جنوب السودان التي وُعد بها المواطنون؟
فبعد سنوات قليلة من الاستقلال، اندلعت الحرب بين الجنوبيين أنفسهم، وسقط عشرات الآلاف من القتلى، ونزح الملايين، ودخلت الدولة الجديدة في أزمات سياسية واقتصادية وأمنية متلاحقة، وما تزال حتى اليوم تواجه تحديات هائلة في بناء مؤسسات الدولة وتحقيق الاستقرار.
لقد انفصل الجنوب، لكن أزمة الصراع على السلطة لم تنفصل معه.
انتقلت الأزمة من دولة إلى أخرى لأن المشكلة الأساسية لم تكن في الحدود الجغرافية وحدها، وإنما في طبيعة الدولة، وضعف المؤسسات، وغياب التداول السلمي للسلطة، وتحويل السياسة إلى صراع من أجل السيطرة على الحكم والموارد.
وهنا يكمن الدرس الذي ينبغي ألا يتجاهله السودانيون.
دارفور جزء من أزمة الدولة السودانية:
لن تكون دارفور استثناءً من هذه القاعدة.
فالأزمة التي يعيشها الإقليم لم تنشأ بمعزل عن سياسات الدولة المركزية، بل ساهم المركز بصورة مباشرة في تعقيدها وتأجيجها.
لقد كانت المجتمعات المحلية في دارفور تعرف النزاعات القبلية والصراع حول الأرض والمياه ومسارات الرعي، لكنها امتلكت، تاريخياً، آليات أهلية لمعالجة كثير من هذه النزاعات عبر الإدارات الأهلية والمؤتمرات والصلح والتفاوض بين زعماء القبائل.
غير أن الدولة أدخلت السلاح الحديث في هذه الصراعات، وسلّحت مجموعات محلية، واستخدمت التناقضات القبلية ضمن استراتيجياتها العسكرية والسياسية.
وهكذا انتقلت نزاعات كان يمكن أن يجلس أطرافها تحت الأشجار لحلها إلى مواجهات دامية تُستخدم فيها أحدث الأسلحة.
وكان من أخطر الأخطاء التي ارتكبتها الحكومة المركزية إنشاء تشكيلات مسلحة تعتمد على قواعد اجتماعية وقبلية محددة واستخدامها لتحقيق أهداف عسكرية وسياسية.
وقد بلغت هذه السياسة ذروتها مع تأسيس قوات الدعم السريع وتوسيع نفوذها العسكري والاقتصادي والسياسي.
ولو جرى التعامل مع الحاجة إلى التعبئة العسكرية ضمن مؤسسات قومية تضم مختلف مكونات المجتمع وتخضع بصورة كاملة لقيادة القوات المسلحة وقوانين الدولة، لكان من الممكن تجنب كثير من المخاطر التي ترتبت على إنشاء قوة عسكرية موازية للدولة.
لكن السودان انتهى إلى صناعة قوة مسلحة ضخمة، تمتلك قيادة مستقلة وموارد اقتصادية ونفوذاً سياسياً وعلاقات خارجية، ثم دخلت هذه القوة في حرب مع الجيش والدولة نفسها.
وهذه ليست مشكلة دارفور وحدها، وإنما نتيجة مباشرة لأزمة بناء الدولة السودانية.
دارفور ليست الدعم السريع:
يستند بعض أنصار فصل دارفور إلى الجرائم والمجازر التي ارتكبتها قوات الدعم السريع في الخرطوم والجزيرة ومناطق أخرى من وسط السودان، وكأن هذه القوات تمثل سكان دارفور أو تعبّر عن إرادتهم الجماعية.
وهذا خلط خطير بين إقليم كامل، بتنوعه السكاني والاجتماعي والثقافي، وبين تنظيم عسكري مسلح.
فأهل دارفور كانوا من أوائل ضحايا القوات والمليشيات التي تطورت لاحقاً إلى قوات الدعم السريع.
وعلى مدى سنوات طويلة، تعرضت قرى في دارفور للقتل والحرق والنهب والتهجير، وشُرد ملايين المواطنين من أراضيهم، بينما كان جانب كبير من المجتمع السوداني بعيداً عن حجم الكارثة التي يعيشها الإقليم.
وقد ظل النازحون لعقود يعيشون في معسكرات مثل كلمة وزمزم وأبو شوك وغيرها، بعد أن فقدوا قراهم وأراضيهم وممتلكاتهم.
كان هؤلاء الضحايا سودانيين قبل أن تصل الحرب إلى الخرطوم والجزيرة.
وكانت جرائم القتل والنهب والتهجير قائمة قبل أن يشاهد سكان وسط السودان آثارها داخل مدنهم وقراهم.
ومن المفارقات المؤلمة أن بعض الذين يدعون اليوم إلى فصل دارفور بسبب جرائم الدعم السريع يتجاهلون أن سكان دارفور أنفسهم كانوا من أول ضحايا السياسات والمليشيات التي أنتجت هذه القوة.
إن تحميل إقليم كامل مسؤولية جرائم تنظيم مسلح لا يختلف كثيراً عن تحميل مجتمع بأكمله مسؤولية أخطاء حكومة أو حزب أو جيش.
الدولة العادلة تحاسب الأفراد والتنظيمات على أفعالهم، ولا تعاقب المجتمعات على أساس الجغرافيا أو القبيلة.
لا توجد منطقة سودانية يمكن التخلص منها بالانفصال:
الحقيقة التي ينبغي مواجهتها هي أنه لا توجد منطقة في السودان يمكن فصلها ثم الاعتقاد بأن بقية البلاد ستصبح مستقرة تلقائياً.
فإذا انفصلت دارفور اليوم، قد تظهر غداً أزمة في كردفان، وبعدها في الشرق، ثم في الشمال أو الوسط.
وإذا أصبحت كل أزمة سياسية أو تنموية أو أمنية مبرراً لتقسيم البلاد، فلن يتوقف السودان عن الانقسام حتى يتحول إلى مجموعة من الدول الصغيرة المتنازعة.
الانفصال هو أقصر الطرق للهروب من مشكلة لا نريد بذل الجهد لفهمها.
أما الطريق الأصعب، ولكنه الطريق الوحيد القادر على بناء دولة مستقرة، فهو مواجهة جذور الأزمة.
وجذر الأزمة السودانية هو الصراع المزمن على السلطة في ظل غياب الدولة المؤسسية.
لقد ظلت السياسة في السودان، منذ الاستقلال، تدور حول سؤال واحد: من يحكم؟
بينما كان ينبغي أن تدور حول أسئلة أكثر أهمية: كيف يُحكم السودان؟ وما طبيعة الدولة التي نريد بناءها؟ وكيف تُوزع السلطة والثروة؟ وكيف نضمن المساواة أمام القانون؟ وكيف تنتقل السلطة سلمياً؟ وكيف تصبح مؤسسات الدولة أقوى من الحكومات والأحزاب والجماعات المسلحة؟
طالما بقيت عقلية الاستيلاء على السلطة قائمة، فلن يحل تقسيم السودان المشكلة.
وكل جزء ينفصل سيحمل معه العقلية السياسية نفسها، كما حدث في جنوب السودان، حيث انتقلت أزمة الصراع على السلطة من الدولة الأم إلى الدولة الجديدة.
السودان يحتاج إلى مشروع دولة لا إلى خرائط جديدة
المطلوب اليوم ليس إعادة رسم حدود السودان، وإنما إعادة بناء الدولة السودانية.
يحتاج السودان إلى انتقال جذري من السياسة القائمة على الصراع حول السلطة إلى السياسة القائمة على التنافس بين الرؤى والبرامج والمشروعات الوطنية.
يجب أن تتنافس الأحزاب على تقديم أفضل مشروع للاقتصاد والتعليم والصحة والزراعة والصناعة والسياسة الخارجية وإدارة التنوع وتحقيق العدالة والتنمية المتوازنة.
ويجب أن تكون السلطة وسيلة لتنفيذ البرامج وخدمة المواطنين، لا غنيمة تتقاتل عليها النخب والجماعات المسلحة.
كما يحتاج السودان إلى دولة مؤسسات وقانون يصبح فيها المواطن هو القيمة الأساسية، ويتمتع بالحقوق والواجبات نفسها بصرف النظر عن قبيلته أو منطقته أو عرقه أو انتمائه السياسي.
دولة يكون فيها الجيش مؤسسة قومية واحدة، والسلاح حكراً على الدولة، والقانون فوق الحاكم والمحكوم، والسلطة تُكتسب عبر إرادة المواطنين، والثروة الوطنية تُدار لمصلحة المجتمع كله.
عندها لن يحتاج السودان إلى فصل دارفور، ولن تحتاج دارفور إلى الانفصال عن السودان.
بل سيحتاج الوطن إلى جميع أبنائه في معركة البناء والإعمار والتنمية.
إن السودان لا يعاني من اتساع مساحته ولا من تعدد شعوبه وثقافاته، وإنما من فشل الدولة في إدارة هذا التنوع وتحويله إلى مصدر قوة.
وتقسيم البلاد لن يعالج هذا الفشل، بل سينقله إلى دول أصغر وحدود جديدة وصراعات جديدة.
لقد جُرّب الانفصال من قبل، ولم يؤدِ إلى معالجة المرض الذي أنتجه.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل نفصل دارفور؟
بل: كيف نبني دولة لا يشعر فيها أي سوداني بأنه يحتاج إلى الانفصال عنها؟
ذلك هو التحدي الحقيقي.
فالأوطان لا تُنقذ ببتر أطرافها، وإنما ببناء دولة عادلة تجعل جميع أبنائها شركاء في السلطة والثروة والمسؤولية والمستقبل.